الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٨٥ - الغاية التي يقع انتهاء التخصص إليها
وأما المعنى الأول ، فلا نسلم الحصر فيما قيل من القسمين ، بل المنع من ذلك إنما كان لعدم استعماله لغة . وأما المعنى الثاني فمبني على جواز إطلاق اللفظ العام ، وإرادة الواحد مجازا ، وهو محل النزاع .
وأما حجة أبي الحسين البصري فإنه قال : لو قال القائل قتلت كل من في البلد ، وأكلت كل رمانة في الدار وكان فيها تقدير ألف رمانة ، وكان قد قتل شخصا واحدا ، أو ثلاثة . وأكل رمانة واحدة ، أو ثلاث رمانات ، فإن كلامه يعد مستقبحا مستهجنا عند أهل اللغة . وكذلك إذا قال لعبده من دخل داري فأكرمه أو قال لغيره من عندك وقال : أردت به زيدا وحده أو ثلاثة أشخاص معينة ، أو غير معينة ، كان قبيحا مستهجنا ، ولا كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ ، فإنه يعد موافقا مطابقا لوضع أهل اللغة .
وهذه الحجة وإن كانت قريبة من السداد ، وقد قلده فيها جماعة كثيرة ، إلا أن لقائل أن يقول : متى يكون ذلك مستهجنا منه ، إذا كان مريدا للواحد من جنس ذلك العدد الذي هو مدلول اللفظ ، وقد اقترن به قرينة ، أو إذا لم يكن ؟
الأول ممنوع ، والثاني مسلم . وبيان ذلك ، النص وصحة الاطلاق .
أما النص فقوله تعالى : * ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) * ( ٣ ) آل عمران : ١٧٣ ) وأراد بالناس القائلين ، نعيم بن مسعود الأشجعي بعينه ، ولم يعد ذلك مستهجنا لاقترانه بالدليل .
وأما الاطلاق فصحة قول القائل أكلت الخبز واللحم ، وشربت الماء والمراد به واحد من جنس مدلولات اللفظ العام ، ولم يكن ذلك مستقبحا ، لاقترانه بالدليل .
نعم إذا أطلق اللفظ العام ، وكان الظاهر منه إرادة الكل ، وما يقاربه في الكثرة ، وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ ، من غير اقتران دليل به يدل عليه ، فإنه يكون مستهجنا .
وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين ، فعليك بالاجتهاد في الترجيح .