الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٦ - مذهب الأكثرين جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلا
التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد ، فلو تعبدنا باتباع خبر الواحد والعمل به ، فإذا أخبر بخبر عن رسول الله بسفك دم واستحلال بضع محرم ، مع احتمال كونه كاذبا ، فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة بل محض مفسدة ، وهو خلاف وضع الشرع . ولهذا ، امتنع ورود التعبد بالعمل بخبر الفاسق والصبي ، فيما يتعلق بالأحكام الشرعية إجماعا .
وأما ما ذكرتموه من التعبد بالعمل بقول الشاهدين ، فالفرق بين الشهادة والخبر من ثلاثة أوجه :
الأول : أن الشهادة إنما تقبل فيما يجوز فيه الصلح ، ولا كذلك الخبر عن الله تعالى والرسول . فكانت المفسدة في الشهادة أبعد .
الثاني : أن الخبر يقتضي إثبات شرع بخلاف الشهادة .
الثالث : هو أن الحكم عند الشهادة إنما يثبت بدليل قاطع وهو الاجماع والشهادة شرط ، لا مثبت ، بخلاف خبر الواحد ، فإنه عندكم دليل مثبت للحكم الشرعي .
ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض بما يدل على نقيضه . وبيانه من جهة المنقول ، والمعقول .
أما المنقول ، فقوله تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * ( ١٧ ) الاسراء : ٣٦ ) وقوله تعالى : * ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * ( ٢ ) البقرة : ١٦٩ ) وقوله تعالى : * ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) * ( ١٠ ) يونس : ٣٦ ) .
وأما المعقول ، فمن أربعة أوجه :
الأول : أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية عن الرسول عند ظننا بصدقه ، لاحتمال كونه مصلحة ، لجاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد عن الله تعالى بالأحكام الشرعية ، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله محال الثاني : أنه لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الفروع ، لجاز ورود التعبد به في