الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٠ - إذا اشتركت أخبار من بلغوا حد التواتر في معنى واختلفت في الفصيل الخ
القرائن ، مع أن القرائن قد تفيد آحادها الظن ، وبتضافرها واجتماعها العلم ، كما سنبينه . فلا يمتنع أن يحصل العلم بمثل ذلك العدد في بعض الوقائع للمستمع دون البعض ، لما اختص به من القرائن التي لا وجود لها في غيره ، وبتقدير اتحاد الواقعة وقرانها لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الأشخاص حصوله لشخص آخر ، لتفاوتهما في قوة الادراك والفهم للقرائن ، إذ التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جدا ، حتى أن منهم من له قوة فهم أدق المعاني وأغمضها في أدنى دقيقة من غير كد ولا تعب ، ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا قدرة له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع الجد والاجتهاد في ذلك ، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين . وهذا أمر واضح لا مراء فيه ، ومع التفاوت في هذه الأمور يظهر أن ما ذكره القاضي وأبو الحسين البصري مما لا سبيل إلى تصحيحه على إطلاقه المسألة السادسة إذا عرف أن التواتر يفيد العلم بالمخبر الواحد ، كالاخبار عن قتل ملك أو هجوم بلد ، كما ذكرناه ، فلو بلغ عدد المخبرين إلى حد التواتر ، لكن اختلفت أخبارهم والوقائع التي أخبروا عنها مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى كلي مشترك بين مخبراتهم ، فالكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخبارهم عن جريانه ، إما بجهة التضمن أو الالتزام ، فكان معلوما من أخبارهم وذلك كالاخبار التي وردت خارجة عن الحصر عن وقائع عنتر في حروبه ، ووقائع حاتم في هباته وضيافاته ، وإن اختلفت وقائع هذه الأخبار ، فكلها دالة على القدر المشترك من شجاعة هذا وكرم هذا . غير أنه ربما كان حصول العلم بها مثل التواتر الأول ، لاتحاد لفظه ومعناه أسرع حصولا من الثاني ، لاختلاف ألفاظه وما طابقها من المعاني ، وإن اتحد مدلولها من جهة التضمن أو الالتزام وهذا آخر باب التواتر .