الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٤ - خبر التواتر لا يولد العلم
له جهة ، فلا يتولد عنه العلم ، لأنه ، لو تولد عنه العلم ، لتولد في غير محله ، وهو ممتنع . وذلك مما لا اتجاه له مهما عرف من مذاهب الخصوم أن إرعابات الانسان لغيره مما يولد فيه الوجل المولد للاصفرار بعد الاحمرار ، وأن تهجينه له مما يولد فيه الخجل المولد للاحمرار بعد الاصفرار ، وإن كان ما تولد عن القول المرهب والمهجن في غير محله .
والمعتمد في إبطال ذلك ليس إلا ما حققناه في أبكار الأفكار من الدليل الدال على امتناع موجود غير الله تعالى ، وأن كل موجود ممكن ، فوجوده ليس إلا بالله تعالى ، فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا .
فإن قيل : اختياركم في المسألة المتقدمة إنما هو الوقف عن الجزم بكون الحاصل عن خبر التواتر ضروريا أو نظريا ، وما ذكرتموه هاهنا من كونه مخلوقا لله تعالى يوجب كونه اضطراريا للعبد ، وهو تناقض . كيف وإنه لو كان مخلوقا لله تعالى لأمكن حصوله عن خبر الجماعة المفروضين بسبب خلق الله تعالى له ، وأمكن أن لا يحصل بسبب عدم خلقه . فلما كان ذلك واجب الحصول بخبر التواتر علم أنه غير موجود بالاختيار مباشرة ، بل بالتولد عما هو مباشر بالقدرة .
قلنا : أما التناقض فمندفع ، فإنا سواء قلنا إن العلم مكتسب للعبد ، أو هو حاصل له ضروريا ، فلا يخرج بذلك عن كونه مخلوقا لله تعالى على ما عرف من أصلنا .
قولهم : لو كان مخلوقا لله تعالى لأمكن أن يحصل وأن لا يحصل ، قلنا : ذلك ممكن عقلا ، غير أن الله تعالى قد أجرى العادة بخلقه للعلم عند خبر التواتر ، كما أجرى العادة بالشبع عند أكل الخبز ، والري عند شرب الماء ونحوه .