الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٤ - خبر الواحد العدل هل يفيد العلم
الحجة الثانية : إن كل عاقل يجد من نفسه عند ما إذا أخبره واحد بعد واحد بمخبر واحد يزيد اعتقاده بذلك المخبر . ولو كان الخبر الأول والثاني مفيدا للعلم ، فالعلم غير قابل للتزيد والنقصان .
فإن قيل : كيف يقال بأن العلم غير قابل للزيادة والنقصان ، مع أن بعض العلوم قد يكون أجلى من بعض ، وأظهر ، كالعلم الضروري ، فإنه أقوى من العلم المكتسب ، والعلم بالعيان أقوى من العلم بالخبر .
قلنا : لا نسلم تصور التفاوت بين العلوم من حيث هي علوم بزيادة ولا نقصان ، لانتفاء احتمال النقيض عنها قطعا ، ولو لم يكن كذلك ، لما كانت علوما ، بل ظنونا .
والتفاوت الواقع بين العلم النظري والعلم الضروري ليس في نفس العلم بالمعلوم ، بل من جهة أن أحدهما مفتقر في حصوله إلى النظر دون الآخر ، أو أن أحدهما أسرع حصولا من الآخر ، لتوقفه على النظر . والتفاوت الواقع بين العلم بالخبر والعلم بالنظر غير متصور فيما تعلقا به ، وإنما التفاوت بينهما من جهة أن ما لا يدرك بالخبر يكون مدركا بالعيان والنظر .
الحجة الثالثة : أنه لو كان الخبر الواحد بمجرده موجبا للعلم ، لكان العلم حاصلا بنبوة من أخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه ، ولوجب أن يحصل للحاكم العلم بشهادة الشاهد الواحد ، وأن لا يفتقر معه إلى شاهد آخر ، ولا إلى تزكيته ، لما فيه من طلب تحصيل الحاصل ، إذ العلم غير قابل للزيادة والنقصان ، كما سبق تقريره .