الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٩٣ - النهي عن الفعل لا يدل على صحته
وبيان امتناع دلالته على الصحة بمعناه ما بيناه من أن النهي بمعناه يدل على الفساد في المسألة المتقدمة ، فلا يكون ذلك مفيدا لنقيضه ، وهو الصحة .
الوجه الثاني : أنا أجمعنا على وجود النهي حيث لا صحة ، كالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين ، وبيع حبل الحبلة ، وكالنهي عن الصلاة في أيام الحيض ، بقوله ، صلى الله عليه وسلم : دعي الصلاة أيام إقرائك والنهي عن نكاح ما نكح الاباء بقوله تعالى :
* ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) * ( ٤ ) النساء : ٢٢ ) ولو كان النهي مقتضيا للصحة ، لكان تخلف الصحة مع وجود النهي على خلاف الدليل وهو خلاف الأصل ، وسواء كان لمعارض أو لا لمعارض .
فإن قيل : إذا نهى الشرع عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الأوقات والأماكن المكروهة ، وعن بيع الربا ، فالأصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم والبيع على عرف الشارع ، وعرف الشارع في ذلك إنما هو الفعل المعتبر في حكمه شرعا ، فلو لم يكن التصرف المنهي عنه كذلك ، لما كان هو التصرف الشرعي وهو ممتنع .
قلنا : أولا لا نسلم وجود عرف الشرع في هذه الأسماء ، لما سبق ، وإن سلمنا أن له عرفا ، لكن في طرف الأوامر أو النواهي ؟ الأول مسلم ، والثاني ممنوع .
وعلى هذا ، فالنهي إنما هو عن التصرف اللغوي دون الشرعي ، وإن سلمنا عرف الشارع في هذه الأسماء ، ولكن لا نسلم أن عرفه فيها ما ذكروه ، بل ما هو بحال يصح ويمكن صحته ، ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الأدلة ، ولا يلزم من كون التصرف ممكن الصحة ، وقوع الصحة كيف وإن ما ذكروه منتقض بما ذكرناه من المناهي مع انتفاء الصحة عن منهياتها .