الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٧٠ - الخلاف بين من قالوا بجواز التعبد بخير الواحد في وجوب العمل به عقلا ونقلا
عمل النبي صلى الله عليه وسلم ، بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما ، مع خبر ذي اليدين ، عمل بخبر لم ينته إلى حد التواتر ، وهو موضع النزاع . وفي تسليمه تسليم المطلوب .
وعن المعارضة الأولى من المعقول أنها منتقضة بخبر الواحد في الفتوى والشهادة .
كيف والفرق حاصل . وذلك أن المشترط في إثبات الرسالة والأصول الدليل القطعي ، فلم يكن الدليل الظني معتبرا فيها ، بخلاف الفروع .
وعن الثانية من وجهين :
الأول : أن براءة الذمة غير مقطوع بها بعد الوجود والتكليف في نفس الامر ، بل الشغل محتمل ، وإن لم يظهر لنا سبب الشغل ، فمخالفة براءة الذمة بخبر الواحد لا يكون رفع مقطوع بمظنون .
الثاني : أنه منتقض بالشهادة والفتوى .
وعن الثالث أن تجويز وجود خبر معارض للخبر الذي ظهر لا يمنع من الاحتجاج به ، وإلا لما ساغ التمسك بدليل من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة ، لأنه ما من واحد منها إلا ويجوز ورود ناسخ له أو مخصص له ، بل ولما جاز التمسك بدليل مستنبط معارض له ، ولما ساغ أيضا للقاضي الحكم بشهادة الشاهدين ، ولا للعامي الاخذ بفتوى المجتهد له ، لجواز وجود ما يعارضه وذلك خلاف الاجماع .
وعن الرابع أنه إنما لم يجز تقليد العالم للعالم ، لاستوائهما في درجة الاجتهاد ، وليس تقليد أحدهما للآخر أولى من العكس ، ولا كذلك المجتهد مع الراوي ، فإنهما لم يستويا في معرفة ما استبد بمعرفته الراوي من الخبر فلذلك وجب عليه تقليده فيما رواه .
وبالجملة فالاحتجاج بمسلك الاجماع في هذه المسألة غير خارج عن مسالك الظنون ، وإن كان التمسك به أقرب مما سبق من المسالك .