الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٩٠ - النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لأحكامها هل يقتضى فسادها أم لا
وبمثل ذلك يتبين أنه لا يكون مساويا ، فلم يبق إلا أن يكون راجحا على مقصود الصحة ، ويلزم من ذلك امتناع الصحة وامتناع انعقاد التصرف لإفادة أحكامه ، وإلا كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود ، ضرورة كون مقصودها مرجوحا على ما تقدم تقريره ، وإثبات الحكم خليا عن الحكمة في نفس الامر ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع ، وهو المطلوب .
فإن : قيل : ما ذكرتموه من كون النهي لا يدل على الفساد لغة معارض بما يدل عليه .
وبيانه من جهة النص ، والاجماع والمعنى .
أما من جهة النص فقوله صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا ، فهو رد وفي رواية أدخل في ديننا ما ليس منه ، فهو رد والمردود ما ليس بصحيح ولا مقبول .
ولا يخفى أن المنهي ليس بمأمور ، ولا هو من الدين ، فكان مردودا .
وأما الاجماع فهو أن الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي ، فمن ذلك احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى : * ( ولا تنكحوا المشركات ) * ( ٢ ) البقرة : ٢٢١ ) ولم ينكر عليه منكر ، فكان إجماعا .
ومنها احتجاج الصحابة على فساد عقود الربا بقوله تعالى : * ( وذروا ما بقي من الربا ) * ( ٢ ) البقرة : ٢٧٨ ) وبقوله صلى الله عليه وسلم : لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق الحديث إلى آخره .
وأما المعنى فمن وجهين :
الأول : أنا أجمعنا على حمل بعض المناهي على الفساد ، كالنهي عن بيع الجزء المجهول ، ولو لم يكن ذلك مقتضى النهي ، لكان لأمر خارج ، والأصل عدمه فكان ذلك مقتضى النهي ويلزم منه الفساد حيث وجد ، وإلا كان فيه نفي المدلول مع تحقق دليله ، وهو ممتنع مخالف للأصل .
الثاني : النهي مشارك للامر في الطلب والاقتضاء ، ومخالف له في طلب الترك ، والامر دليل الصحة ، فليكن النهي دليل الفساد المقابل للصحة ، ضرورة كون النهي مقابلا للامر ، وأنه يجب أن يكون حكم أحد المتقابلين مقابلا لحكم الآخر .