الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣١٧ - التخصيص بالأدلة المنفصلة جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي
قولهم إن الصبي والمجنون داخلان تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات ليس كذلك . فإنا إن نظرنا إلى تعلق الحق بمالهما ، فهو ثابت بخطاب الوضع والاخبار ، وهو غير متعلق بالصبي والمجنون ، وإن نظرنا إلى وجوب الأداء الثابت بخطاب التكليف ، فهو متعلق بفعل وليهما ، لا بفعلهما .
وأما صحة صلاة الصبي واختلاف الناس في صحة إسلامه ، فلا يدل ذلك على كونه داخلا تحت خطاب التكليف بالصلاة والاسلام .
أما صحة الصلاة ، فمعناها انعقادها سببا لثوابه ، وسقوط الخطاب عنه بها إذا صلى في أول الوقت ، وبلغ في آخره ، لا بمعنى أنه امتثل أمر الشارع ، حتى يكون داخلا تحت خطاب التكليف من الشارع ، بل إن كان ولا بد ، فهو داخل تحت خطاب الولي لفهمه بخطابه ، دون خطاب الشرع . وعلى هذا ، يكون الجواب عن صحة إسلامه عند من يقول بذلك ، وبتقدير امتناع تخصيص الصبي بدليل العقل مع تسليم جواز التخصيص به في الجملة ، كما تقدم بيانه ، فغير مضر ولا قادح ، فإنه ليس المقصود تحقيق ذلك في آحاد الصور .
وكما أن دليل العقل قد يكون مخصصا للعموم ، فكذلك دليل الحس ، وذلك كما في قوله تعالى * ( تدمر كل شئ ) * ( ٤٦ ) الأحقاف : ٢٥ ) مع خروج السماوات والأرض عن ذلك حسا ، وكذلك قوله تعالى * ( ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم ) * ( ٥١ ) الذاريات : ٤٢ ) وقد أتت على الأرض والجبال ، ولم تجعلها رميما ، بدلالة الحس ، فكان الحس هو الدال على أن ما خرج عن عموم اللفظ لم يكن مرادا للمتكلم ، فكان مخصصا .