الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩٥ - اختلفوا في صحة الاستثناء من غير الجنس
وأما المعقول فهو أن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه ، فصح ، كاستثناء الدراهم من الدنانير ، وبالعكس .
ولقائل أن يقول : أما الآية الأولى ، فلا نسلم أن إبليس لم يكن من جنس الملائكة . قولكم إنه كان من الجن ، قلنا : لا منافاة بين الامرين : فإنه قد قال ابن عباس وغيره من المفسرين إن إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم الجن ، لأنهم كانوا خزان الجنان ، وكان إبليس رئيسهم ، وتسميته جنيا لنسبته إلى الجنة ، كما يقال بغدادي ومكي . ويحتمل أنه سمي بذلك لاجتنانه واختفائه ، ويدل على كونه من الملائكة أمران : الأول : أن الله تعالى استثناه من الملائكة ، والأصل أن يكون من جنسهم للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس ووقع الخلاف في غيره .
الثاني : أن الامر بالسجود لآدم إنما كان للملائكة بدليل قوله تعالى : * ( وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم ) * ( ٢ ) البقرة : ٣٤ ) ولو لم يكن ، إبليس من الملائكة ، لما كان عاصيا للامر المتوجه إلى الملائكة ، لكونه ليس منهم ، إذ الأصل عدم أمر وراء ذلك الامر .
ودليل عصيانه قوله تعالى : * ( إلا إبليس أبى واستكبر ، وكان من الكافرين ) * ( ٢ ) البقرة : ٣٤ ) .
قولكم إن إبليس له ذرية ، ليس في ذلك ما ينافي كونه من جنس الملائكة .
فلئن قلتم بأن التوالد لا يكون إلا من ذكر وأنثى والملائكة لا إناث فيهم ، بدليل قوله تعالى : * ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) * ( ٤٣ ) الزخرف : ١٩ ) ذكر ذلك في معرض الانكار والتوعد على قول ذلك .
قلنا : إنما يلزم من ذلك الإناث في الملائكة أن لو امتنع حصول الذرية إلا من جنسين ، وهو غير مسلم .
قولكم : إن إبليس مخلوق من نار ، والملائكة من نور ، لا منافاة أيضا بين ذلك وبين كونه من الملائكة .
وأما الآية الثانية ، فاستثناء الرب تعالى فيها من المعبودين ، وذلك قوله :
* ( ما كنتم تعبدون ) * ( ٢٦ ) الشعراء : ٧٥ ) وهم كانوا ممن يعبد الله مع الأصنام ، لأنهم كانوا مشركين ، لا جاحدين لله تعالى ، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس .