القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢١٢ - سبب الاستسقاء الزّقي بعد الأسباب المشتركة
وتغيض إلى غير مغيضها الضروري، إما على سبيل رشح، أو انفصال بخار تحيله الحفن ماء لكثرة مادة، أو لسدِّة من رفع تدفعه الطبيعة عن ضرره قاهرة في المجاري التي للفضول إلى فضاء البطن والخلاء الباطن فيه الذي فيه الأمعاء. وأكثر وقوفها، إنما هو بين الثرب، وبين الصفاق الباطن، لا يتخلل الثرب، إلا لتأكّل الثرب.
وقد علمت أن الدفع الطبيعي، ربما أنفذ القيح في العظام فضلًا عن غيرها. وأما على سبيل انصداع من بعض المجاري التي للغذاء إلى الكبد، فتتحلب المائية عندها دون الكبد، وأما على سبيل ما قاله بعض القدماء الأولين، وانتحله بعض المتأخرين أن ذلك رجوع في فوهات العروق التي كانت تأتي السرة في الجنين، فيأخذ منها الغذاء والفوهات التي كانت تأتيها، فيخرج منها البول، فإن الصبي يبول في البطن عن سرته، والمنفوس قبل أن يسرّ يبول أيضاً عن سرّته. فإذا امتنع من ذلك الجانب، انصرف إلى المثانة، فإذا اضطرت السدد، ومعاونة القوى الدافعة من الجهات الأخرى، نفذت المائية في تلك العروق إلى أن تجيء إلى فوهاتها، فإذا لم تجد منفذاً إلى السرة، انفتقت البطن، وانفتحت، وصارت واسعة جداً بالقياس إلى خلقتها الأولى، وانضمت المنافذ التي عند الحدبة، فإنها ضيقة، وأزيد ضيقاً من التي عند التقعر. ولا يبعد أن يكون استفراغ المائية من البطن واقعاً من هذه الجهات. والسبل يجذبها الدواء إلى الكبد، ثم إلى الأمعاء. وأسباب هذا السبب الواصل، إما في القوّة المميزة، وإما في المادة المتميزة، وإما في المجاري. أما السبب الذي في القوة المميزة، فلأن التمييز مشترك بين قوة دافعة من الكبد، وقوة جاذبة من الكلية، فإذا ضعفتا، أو إحداهما، أو كان في المجاري سدة، خصوصاً إذا كان في الكلية ورم صلب لم تتميز المائية، ولم يقبلها البدن، ولم تحتملها المجاري، فوجب أحد وجوه وقوع الاسستقاء الزقي. ولهذا قد يحدث الاستسقاء لضعف، وعلة في الكلية وحدها.
وأما السبب الذي في المتميزة، فأن تكون المائية كثيرة جداً فوق ما تقدر القوة على تمييزها، أو تكون غير جيدة الانهضام. والمائية تكون كثيرة جداً لشرب الماء الكثيرِ، وذلك لشدة عطش غالب لمزاج في الكبد معطش، أو لسبب آخر يعطش، أو لسدد لا ينجذب معها إلى الكبد ما يعتد به، فيدوم العطش على كثرة الشرب، أو لأن الماء نفسه لا ينفع العطش لأنه حار غير بارد، أو لأن فيه كيفية معطّشة من ملوحة، أو بورقية، أو غير ذلك.
وأما القسم الآخر، فإذا لم يستو هضم الغذاء الرطب قبل البدن، أو الكبد بعض الغذاء الرطب ورد بعضه فملأ المجاري، فربما أدى إلى سبب من أسباب الاستسقاء الزقي المذكور إن غلبت المائية، أو الطبلي إن غلبت الريحية، وذلك في الهضم الثاني. وأما السبب الذي في المجاري، فأن تكون هناك أورام، وسدد تمنع المائية أن تسلك مسالكها وتنفذ في جهتها، بل