القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٤٨ - فصل في القيء والتهوّع والغثيان والقلق المعدي
يدفعها. فإذا أكل يمكن من قذفه لسببين: أحدهما، لأن الخلط ربما كان أذاه قليلًا غير متحرّك، ولا معنف، لأنه في قعر المعدة، وإذا طعم أصعده الطعام إليه وكثّره، والثاني أنه يستعين بحجم الطعام على قذفه وقلعه، وقد يقلب النفس، ويحرّك الغثيان حرّ وتنشيف يعرض لفم المعدة، فتفعل بكيفيته الحارة ما يفعله خلط مجاور بكيفيته الحارة أيضاً.
وفي استعمال القيء باعتدال منفعة عظيمة، لكن إدمانه مما يوهن قوة المعدة، أو يحملها مفيضاً للفضول. والقيء البحراني مخلص، وكثيراً ما يكون المحموم قد يعرض له تشنج، أو صرع، أو شبيه بالصرع دفعة، فيقذف شيئاً زنجارياً، أو نيلنجيا، فيخلص، وقد يخلص أيضاً من السبات، وبعظيم الامتلاء في الحميات وغيرها.
وكثيراً ما يخلص القيء من الفواق المبرح. ومن استعمل القيء باعتدال صان به كِلاه، وعالج به آفاتها وآفات الرجل، وشفي انفجار العروق من الأوردة والشرايين. ويستحبّ أن يستعمل في الشهر مرتين. وأفضل أوقات القيء ما يكون بعد الحمام وبعد أن يؤكل بعده ويتملأ. وقد استقصينا القول في هذا في الكتاب الأول.
والمعدة الضعيفة كلما اغتذت عرض لها غثيان وتقلّب نفس، وإن كانت أضعف يسيراً لم تقدر على إمساك ما نالته، بل دفعته إلى فوق أو إلى تحت. وضعف المعدة قد يكون من أصناف سوء المزاج.
وأنت تعلم أن من أسباب بعض أصناف سوء المزاج ما يجمع إليه تحليل الروح مثل الإسهال الكثير، وخصوصاً من الدم. وأنت تعلم أن من المضعّفات الأوجاع الشديدة، والغموم، والصوم، والجوع الشديد فهي أيضاً من أسباب القيء على سبيل إدخال ضعف على المعدة. والمعدة الوجعة أيضاً، فإنها سريعاً ما تتقيأ الطعام وتدفعه.
ومن يتواتر عليه التخم، والأكل على غير حقيقة الجوع الصادق، فإنه يعرض له أولًا إذا أكل حرقة شديدة جداً لا تطاق، ثم يؤل أمره إلى أن يقذف كلما أكله. وأردأ القيء ما يكون قيأ للدم الأعلى الوجه الذي سنذكره حين يكون دليلًا على قوة الطبيعة، ويليه قيء السوداء. والسبب في هذه الرداءة، أن هذين لا يتولّدان في المعدة، بل إنما يندفعان إليها من مكان بعيد، ومن أعضاء أخرى، ويدلّ على آفة في تلك الأعضاء وعلى مشاركة من المعدة، وإذعان لها إلى أن يضعفها، أو يدلّ قيء الدم خاصة على حركة منه خارجة عن الواجب.
وحركة الدم إذا خرجت عن الواجب، أنذرت بهلاك. والقيء الصرف الرديء. أما الصفراوي، فيدل على إفراط حرارة، وأما البلغمي، فيدل على إفراط برد ساذج صرف. والقيء المختلف الألوان، أردؤها الأسود، والزنجاري.
والكراثي رديء لما يدلّ على اجتماع أخلاط رديئة، ومن التركيب الرديء، أن يكون فم