القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٩١ - فصل في وجوه الاستدلال على أحوال المعدة
من علائق استدعاء القوة الغاذية بالجاذبة، ثم يخص المعدة شهوة نفسانية لأنها تحس وقد يتفق لبعض الناس أن يجوع كثيراً، ويأكل كثيراً، ولا تصيبه تخمة ولا يخرج في غائطه ثفل كثير، ولا يسمن مع ذلك بدنه. وسبب هذه الحالة تحلل كثير سريع مع صحة للهاضمة، والجاذبة الشهوانية.
وأما الاستدلال من طريق الفم، فإن المر يدل على حرارة وصفراء، والحامض يدل في أكثر الأمر على برد في المعدة لكن دون البرد الذي لا ينهضم معه الطعام أصلًا، وربما دل على حر ضعيف مع رطوبة برد، ويحمض إذا غلي عن حرارة قليلة، وقد تكون حموضة من انصباب مادة حامضة من الطحال إلى المعدة، والكائن بسبب الطحال تشتدّ معه الشهوة، ويكثر النفخ والقراقر، ويسوء الهضم، ويجمّض، ويكثر الجشاء. والتفه من طعوم الفم يدل على بلغم تفه، والمالح على بلغم مالح، والطعوم الغريبة السمجة المستبشعة قد تدل على أخلاط غريبة عفنة رديئة.
وأما الاستدلال من القيء، فإنه إن كان تهوع فقط، فالمادة لحجة متشرّبة، وإن كان قيء سهل دل على أنها مصبوبة في التجويف، وإن كان قيء وتهوع لا يقلع دل على اجتماع الأمرين، أو على لحوج الخلط. وليس الغثيان إنما يكون من مادة متشرّبة، بل يكون أيضاً من مادة غير متشرّبة إذا كانت كثيرة تلذع فم المعدة، أو كانت قليلة قويت باختلاطها لطعام، وارتقت من قعر المعدة إلى فم المعدة، للذعته، ولذلك قد يسهل قذف الأخلاط بعد الطعام، ولا يسهل قبله إلا أن تكون كثيرة. لكن إذا كان حدوث التهوّع والغثيان على دور، فالمادة منصبة.
وإن كانت ثابتة، فالمادة متولّدة في المعدة على الاتصال. والقيء أيضاً يدلّ بلون ما يخرج منه على المادة فيدل على الصفراء والسوداء باللون، وعلى البلغم الحامض والمالح باللون والطعم، وعلى البلغم الزجاجي باللون، وعلى البلغم النازل من الرأس باللون المخاطي، وبما يصحبه من النوازل إلى أعضاء أخرى. ومن الناس من إذا تناول طعاماً أحس من نفسه أنه لو تحرك فضل حركة قذف طعامه، وذلك يدل على رطوبة فم المعدة، أو على ضعف من المعدة. والذي يكون من الرطوبة، فإنه يعرض أيضاً على الخوى، والذي يكون من الضعف، فإنما يعرض على الامتلاء فقط.
وأما الاستدلال من طريق لون البدن، فإن اللون شديد الدلالة على حال المعدة والكبد في أكثر الأمر، فإن أكثر أمراض المعدة باردة رطبة، ولون أصحابها رصاصي، وإن كانت بهم صفرة كانت صفرة إلى البياض.
وأما الاستدلال من القراقر، فإن القراقر تدل على ضعف المعدة وسوء اشتمالها على طعام، أو على غائط رطب قطعاً. وأما الاستدلال من الريق، فإن كثرته وزبديته تدل على رطوبة المعدة المرسلة للرطوبة