القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٦٣ - فصل في أصناف الغشي وأسبابه وأسباب الموت فجأة
كانت باردة، أو حارة، وقد يكون بسبب كثرة السدد في عروق البدن حيث كانت. وهذه المواد القتالة، قد يعرض كثيراً من إفراط الأكل، والشرب، وتواتر التخم لسوء الهضم حتى ينتشر منه في البدن ما يملأ العروق، ويسد مسالك النفس، وهذه المواد الكثيرة قد تعين على الغشي من جهة حرمانها البدن الغذاء أيضاً، لأنها تسد طريق الغذاء الجيد، ولا تستحيل بنفسها إلى الغذاء لأنها لكثرتها تقوى على الطبيعة، فلا تنفعل عنها.
ومع ذلك، فإن مزاج البدن يفسد بها وهذه المواد التي تفعل الغشي بكثرتها أو برداءتها هي التي تفعل الكرب الغشي إذا وقعت في المعدة، وكانت أقل كمية، أو رداءة. وإما الكائن بسبب استفراغ مفرط، فإنما يكون لاستتباعه الروح مستفرغاً معه إلى أن يتحلل جمهوره، وذلك، أما استطلاق بطن يذرب، أو إسهال متتابع، أو زلق معدة، أو معي، أو سحج، أو قيء كثير، أو رعاف أو نزف لحم من عضو آخر كأفواه عروق المعدة، أو لجراحة، أو لبزل ماء استسقاء، أو لبط دبيلة ليسيل منها شيء كثير دفعة، أو نزف حيض، أو نفاس، أو لكثرة رياضة، أو مقام في حمام حار شديد التعريق، أو لسبب من أسباب التعريق قوي مفرط عارض لذاته فاعل للعرق لذاته، كالحرارة، أو معين كتخلخل البدن المفرط، أو رقة من الأخلاط في جواهرها وطبائعها، وإذا عرض الغشي عن استفراغ أخلاط. والقوة الحيوانية قوية بعد لم يكن مخوفاً، وذلك مثل الغشي الذي يعرض بعد الفصد.
وأما الوجع، فيحدث الغشي لفرط تحليله الروح كما يعرض في إيلاوس، والقولنج، وفي اللذع المفرط العارض في الأعضاء الحساسة من فم المعدة، والمعي ونحوها، وفي مثل وجع جراحات العصب وقروحها، واللدوغ التي تعرض عليها العقرب، أو زنبور، وفي قروح المفاصل الممنوة بالاحتكاك المفرع لما بينها لانصباب المواد المؤذية، ومثل أوجاع القروح الساعية المغشية لشدة إيجاعها لحدتها وتأكيلها، ويحدث منها فساد الأعضاء حتى يتأدى إلى الموت، فإنها تغشي أولًا بالوجع، وآخراً بشدة تبريد القلب، أو بإيراد بخار سمي فاسد على القلب منعه من تجنف العضو واستحالته إلى ضد المزاج المناسب للناس. وأما عوارض النفس، فقد تكلمنا فيها وعرفت السبب في إجحافها بالقلب.
فأما الورم، فإنه يحدث الغشي إما بسبب عظمه حيث كان ظاهراً أو باطناً، فيفسد مزاج القلب، بتوسط تأدية الشرايين، أو بسبب العضو الذي فيه إذا كان مثل غلاف القلب، أو كان عضواً قريباً من القلب، فإن لم يكن الورم عظيماً جداً، فإنه يفعل ما يفعل العظيم البعيد، أو بسبب الوجع إذا اشتد معه.
وأما المعدة فإنها كيف تكون سبباً للغشي، فاعلم أن المعدة عضو قريب الموضع عن القلب، وهي مع ذلك شديدة الحس، وهي مع ذلك معدن لاجتماع الأخلاط المختلقة، فهي تحدث الغشي، إما بأن تبرد جداً كما في بوليموس، أو بأن تسخن جداً، أو بأن توجع جداً،