من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٢ - أرأيت الذي يكذب بالدين
حول المصالح لا يجد باعثا لاستقبال اليتيم، لأنه لا يتوقع من ورائه مصلحة دنيوية عاجلة. وقد حض الإسلام على احترام اليتيم وإيوائه، حتى روي عن رسول الله صلى الله عليه واله
[مَنْ ضَمَّ يَتِيماً إِلَى طَعَامِهِ وشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ] [١].
[٣] من أسوأ ما يبتلى به الذي يكذب بالدين مسخ الشخصية، وانتكاسة الفطرة، فتراه لا يتأثر بمنظر المسكين الذي يتضور جوعا، ولا يحض أحدا على توفير نصيبه من الطعام، إنه لم يعد إنسانا ينبض قلبه بحب نظرائه من البشر. وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ قالوا: الحض بمعنى الترغيب، وقال بعضهم، الطعام هنا بمعنى الإطعام، وقال بعضهم: بل الطعام بمعنى ما يستحقه اليتيم من الطعام، إشارة إلى أنه من حقهم ومن مالهم، كما قال ربنا سبحانه وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج: ٢٤- ٢٥]. و هكذا لا يعتبر إطعام المسكين سوى رد حقه إليه، وعلى المجتمع أن يكون شاهدا على ذلك ورقيباً، كما يُراقب وضع السلطة والأمن والاقتصاد، وكما يشهد على سائر الحقوق أن ترد إلى أهلها، ومن لم يقم بشهادته، وترك المسكين يتضور جوعاً فإنه يستحق العقاب، لأنه ساهم في إفساد المجتمع، ونشر الفقر في أرجائه، كالذي يرى الطاعون ينتشر بين الناس فلم يمنعه وهو قادر على المنع، أو يترك الأسد ينهش طفلا فلا يردعه، أو يترك الصبي يتردى، والأعمى يصطدم ولا يحرك ساكنا. ومن هنا يصبح الحض على طعام المسكين واجباً بحد ذاته وتركه حراماً، وهو واجب يشترك في مسؤوليته القادر على إطعام المسكين وغير القادر عليه.
[٤] وطعام المسكين أبرز مصاديق الزكاة، والزكاة عدل الصلاة، وعادة ما يذكران معاً في القرآن، بيد أن الصلاة ليست مظهراً خارجياً من مظاهر الدين، بل هي قبل ذلك صلة العبد بالرب، فالذي يفسد هذه الصلة بالرياء، ويستخدم أقدس مقدساته في أمور الدنيا فإن له الويل واللعنة فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الذين اتخذوها وسيلة الدنيا، وهي معراج الآخرة، وهكذا تساهلوا فيها.
[٥] فتراهم ينشطون إلى الصلاة في الملأ، ويسهون عنها في الخلاء، والصلاة حقاً هي التي تُبتلك عن الخلق إلى الخالق، وعن الدنيا إلى الآخرة، وعن الجسد إلى الروح، والمؤمن ينبعث إليها في الخلوات في رحم الظلام عند سبات الطبيعة، حينما تحلو المؤانسة مع خير الذاكرين، والمناجاة مع رب العالمين، بينما المنافق يسهو عنها عندئذ ويخلو إلى الغفلة واللذة ووساوس إبليس الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ومن أبعاد السهو عن الصلاة تأخيرها عن وقتها لغير عذر، هكذا روي في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام قال
[تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ
[١] مستدرك الوسائل: ج ٢ ص ٤٧٤.