من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٧ - ويل لكل همزة لمزة
لم يحملوا معهم إلى قبورهم سوى الكفن، وذهبوا إلى غير رجعة.
[٤] تنعم الآخرون بجهدهم، بينما هم يعودون إلى ربهم محاسبون على كل درهم من أموالهم، من أين اكتسبوه وفيم صرفوه. كَلَّا لا يخلد المال أحدا، بل قد يعجل في وفاته، وإننا نسمع كل يوم عن بعض المعمرين الذين تجاوزا المئة عام فلا نجد فيهم إلا عادة البسطاء من الناس، ولو كانت الثروة سببا للخلود لكانت أعمار الناس تقاس بقدر أموالهم بينما قد نجد العكس. ثم إن جمع المال بكمية كبيرة لا يكون إلا بالحرام مما يجعل صاحبه أكبر خاسر، يجمع المال بكدح بالغ ثم يكون وبالًا عليه، جاء في الحديث المأثور عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
[لَا يُجْمَعُ الْمَالُ إِلَّا بِخَمْسِ خِصَالٍ بِبُخْلٍ شَدِيدٍ، وأَمَلٍ طَوِيلٍ وحِرْصٍ غَالِبٍ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وإِيثَارِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ] [١].
لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ لقد أهانوا الناس بهمزتهم، وسخروا منهم بلمزهم، فاليوم يلقون نبذا في نار جهنم التي تحطمهم.
[٥] وهل تدري ما هي الحطمة؟ إننا نعرف أن التحطيم من شأن ارتطام شيء خشن بمثله، بينما النار سيالة فكيف تحطم؟ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ إن علم البشر بحقائق الآخرة محدود جدا، وعليه أن يتزود بمقاييس جديدة ليعرف أبعاد الحقائق فيها.
[٦] مثلا النار ذات طبيعة سيالة في الدنيا لأنها هنا مخففة سبعين مرة عنها هناك، أما نار الله التي أوقدها جبار السموات والأرض تجليا لغضبه فإنها- حسب ما يبدو- تتفجر وتفجر مما تجعل كل شيء فيها عظيما. نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ وكفى بك أن تعرف أنها نار الله بعظمته وجلاله، وشديد سطواته، وعريض كبريائه، ونسبتها إلى الله بسبب أن ربها هو الذي أوقدها، ولعل إيقاد النار غير إشعالها، بل إلهابها وتشديدها، قالوا: إن الله عز أسمه قد أوقد عليها ألف عام، وألف عام، وألف عام حتى اسودت، انتظارا لأعداء الله. أعاذنا الله منها.
[٧] ولشدة النار تراها تطلع على الأفئدة أن تحرق الجلود واللحم والعظام، قالوا: فإذا بلغت الفؤاد عاد إليهم جلودهم واللحم والعظام، فيعذبون من جديد. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ قال بعضهم: إن نار جهنم تتجه رأسا إلى لب الإنسان فتحرقه، وقال بعضهم: بل إنها شاعرة، تعرف ماذا في قلوب المجرمين فتعذبهم بقدر ما فيها من كفر ونكد.
[٨] وبعد أن ينبذوا في نار جهنم تطبق عليهم، وتوصد أبوابها، فلا روح، ولا نسيم، ولا شكوى، ولا كلام. إنما هي شهيق، وزفير، وآهات، وأنات، وعذاب شديد. إِنَّهَا عَلَيْهِمْ
[١] وسائل الشيعة: ج ٢١ ص ٥٦٠.