من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٦ - هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
توضع أعمال الأبرار منه؟ إن معرفتنا بهذه الحقائق محدودة لأنها فوق مستوانا نحن البشر وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ، يرى المفسرون في مثل هذا الخطاب: أنه موجه إلى شخص الرسول صلى الله عليه واله. ولكن يبدو لي أنه موجه إلى كل تال للقرآن؛ فإن القرآن نزل على الرسول ولكن للناس جميعا، وأمر الناس بتلاوته والتدبر في آياته، وفي خطابات لهم جميعا، كقوله سبحانه يَا أَيُّهَا النَّاسُ أو للمؤمنين وحدهم، كقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقد جاء في الحديث: عن الصادق عليه السلام
[نَزَلَ الْقُرْآنُ بِإِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يَا جَارَةُ]
[١]. فهذه الآية لا تدل على أن النبي صلى الله عليه واله لم يكن يعرف ما العليون، كيف وقد فسره لنا، بل إن هذه الجملة لا تدل على نفي العلم بهذا المقام بقدر دلالتها على أنه مقام عظيم، والله العالم.
[٢٠] في ذلك المقام الشامخ يوجد كِتَابٌ مَرْقُومٌ قالوا: إن هذه الجملة بيان لكتاب الأبرار، وأنه كتاب مرقوم واضح لا لبس فيه، ويحتمل أن تكون الجملة تفسير للعليين، باعتبار أن الكتاب هو الأعلى والأسمى، لما يحمل من صالح الأعمال، والله العالم.
[٢١] والمقربون عباد الله شهود عند ذلك الكتاب الكريم، فيستبشرون به، ويستغفرون للصالحين لينالوا المزيد من الحسنات يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ، إن مجرد حضور المقربين عند الكتاب كرامة وشهادة منهم عليه، ولذلك فإن الشهادة هنا تأتي بمعنى الحضور والتقرير بشأن صحائف الأعمال وإجازتها، أما المقربون فهم- حسب الآية التالية- طائفة من البشر يأكلون ويشربون، وهم الذين ذكرتهم آيات سورة الواقعة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: ١٠- ١١] وقد بيَّن القرآن شهادتهم بقوله وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩]. وقال بعضهم: [إنهم الملائكة المقربون]، وقيل: [إسرافيل عليه السلام خاصة]، بيد أن التفسير الأول أقرب إلى السياق، وهو يوحي بكرامة المقربين عند ربهم، حيث جعلهم شهودا على كتاب الصالحين.
[٢٢] الكتاب مظهر بارز لمسؤولية الإنسان عن أفعاله، أما المظهر الأجلى فإنه النعيم المقيم للأبرار، والجحيم الأليم للفجار. إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ تحيط بهم آلاء الله، قالوا: لأن كلمة نَعِيمٍ جاءت بصيغة فعيل (صفة مشبهة) فإنها تفيد الاستمرار، ولأنها جاءت نكرة فهي تفيد الكثرة والتنوع، ويبدو أن التعبير ب- لَفِي نَعِيمٍ هو الآخر يدل على الكثرة والتنوع.
[٢٣] لأن الإنسان روح وجسد فإن روحه تتطلع إلى لذات خاصة بها بعد أن يتشبع الجسد بالنعم، فما هي لذة الروح في الجنة؟ يبدو أنها تتمثل في مجالس المؤانسة والمعرفة، فالحديث
[١] الكافي: ج ٢، ص ٦٣٠.