من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - إن هو إلا ذكر للعالمين
هذا التفسير نستطيع أن نفهم لماذا كلمة الْخُنَّسِ تشابه كلمة الْكُنَّسِ.
[١٧] ألا ترى كيف تهجم جحافل الظلام جند النور فتهزمه دون أن يكون لنا سلطان به نمنع ورود الليل أو نحافظ على بقية ضياء من نهار، أفلا نتذكر آنئذ أننا مربوبون، وأن لهذا العالم ربًّا حكيماً يدبر أمره وأمرنا، وأنه لا بد قد خلقنا لأمر عظيم، وأنه باعث إلينا رسولا من عنده ينبئنا بذلك الأمر؟! وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ قالوا عَسْعَسَ: أدبر بظلامه، وقال بعضهم: إذا أقبل، واللفظ من الأضداد، والسبب أن العسعس هو الظلام الخفيف الصادق في أول الليل وفي آخره.
[١٨] فإذا استرخت الطبيعة فوق سرير الليل، وأخذت نصيبا كافيا من الراحة، وتجمعت قواها للوثبة الجديدة تنفس عليها الصبح بضيائه، كما وانبلج الفجر من رحم الأفق كما تنبلج الرسالة الإلهية في أفق الوحي. وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ قالوا: امتد حتى يصير نهاراً واضحا، وكذلك الموج إذا نضح الماء. ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف.
[١٩] حين ينفتح القلب على بصائر الحقيقة في الخلق يهتدي إلى واقع الرسالة بغير حجاب: إن الرب الذي جعل الليل والنهار، وسخر بقدرته النجوم والكواكب لن يترك عباده سادرين في غي الجاهلية، يلفهم ظلام الجهل، ويسوقهم سيف البغي، ويغرقهم الفساد موجة بعد موجة. كلا .. إنه يبعث إليهم رسولا هاديا. يهديهم إلى ما انطوت عليه ضمائر قلوبهم، ودلهم إليه نور عقولهم. بربك أليست رسالة القرآن كذلك؟! إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ إنه قول واضح الحدود، واضح الكلمات، وليس مجرد تموجات في الفكر، وأحاسيس في القلب، والذي جاء به رسول كريم، تعالى عن الكذب وقول الزور.
[٢٠] وهل يكذب الإنسان إلا من إحساس بالضعف، والرسول الذي ينبئ عن الله قوي بقوة الله، لأن الله سبحانه لا يبعث سفيرا إلا إذا كان مُقرَّبا منه ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ وقد تجلت قوة الملك المقرب جبرائيل عندما حمل مدائن قوم لوط بقوادم جناحه، وحينما ضرب بجانب من ريشه إبليس فرماه من بيت المقدس إلى جزيرة سرنديب. وهو مكين عند الله ذي العرش سبحانه، وأقرب منزلة، وهو حاكم على كثير من ملائكة الله.
[٢١] مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وقد أوكله الله بإدارة الملأ الأعلى، فهو مطاع هنالك، كما أنه أمين فلولا أمانته لم يوكل إليه هذا الأمر العظيم، وكان من أمانته عليه السلام أنه لم يعص الله في شيء، كيف وهو ممن قال عنهم الرب لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٧]. ولعل في هذا التأكيد ردًّا على من يزعم أن الملائكة هم بنات الله، وبالتالي ليسوا بمسؤولين عن