من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - إن هو إلا ذكر للعالمين
أم سلمة أنه قال
[يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةَ حُفَاةً عُرَاةً،
قالت: فقلت: يا رسول الله! فكيف بالنساء؟ قال
شُغِلَ النَّاسُ يَا أُمَّ سَلَمَةَ،
قلت: وما شغلهم؟ قال
نَشْرُ الصُّحُفِ، فِيْهَا مَثَاقِيْلُ الذَّرِّ وَمَثَاقِيْلُ الخَرْدَلِ] [١].
[١١] وكما تنكشف سريرة البشر، وتسقط الحجب التي وضعت عليها؛ فإن غلاف السماء يكشط عنها كما يكشط جلد البعير عن جسده وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ، قالوا: قلع عن شدة التزاق، وكشطت البعير كشطا نزعت جلده. ماذا يحدث ذلك اليوم؟ هل يطوى الغلاف المحيط بالأرض لتتعرض لكل واردة وشاردة، كما قال ربنا سبحانه يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤] وعلى هذا فالسماء هي السقف المباشر الذي يحفظ الأرض، أم أن الحجاب الذي لا يدعنا نرى الملائكة أو عرش الله يسقط، فإذا بأبصار الناس ترى العالم الأعلى كما ترى العالم المحيط؟ لعل التفسير الأول هو الأولى، واختار بعضهم التفسير الثاني، وقال بعضهم: إن معناه أن كل أجرام السماء تطوى، ولكن التعبير بالكشط في هذا الحال لا يبدو مناسبا، وأنى كان فإن الأمن الكوني يفقد نهائيًّا في ذلك اليوم الرهيب.
[١٢] إذا كُشطت السماء وطُويت تبينت الجنة والنار، أما النار فقد أعدت لأهلها إعدادا تاما إذ أوقدت حتى اسودت وزمجرت وكادت تميز غيظا. وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، روي عن رسول الله صلى الله عليه واله
[أُوْقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوْقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوْقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةٌ]
[٢]. والسؤال هل هذه من سني الدنيا أم من سني الآخرة التي يعادل كل يوم منها ألف سنة؟ الله أعلم.
[١٣] أما الجنة فقد زينت لأهلها كما العروس حين تزف إلى زوجها، تلألأت أنوارها، وتهيأت الحور لأزواجهن، واستعد الغلمان والجواري للخدمة، وأعدت الموائد الطيبة التي هي الأشهى والألذ. وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ أي قُرِّبت ودنت للمتقين، فهل تتقرب الجنة إلى أرضنا كما لو كانت كرة أخرى، أم أن أهل الجنة يقتربون منها؟ لا ندري.
[١٤] ذلك يوم الجزاء الأكبر، حيث المحكمة العادلة، وحيث السجن الكبير يتمثل- في جهنم- والجائزة العظمى في الجنة يمثلانه أمام كل ناظر، فيرى الإنسان أعماله ماثلة أمامه، لا يستطيع من أعماله السيئة فرارا أو إنكارا، إنها حقًّا لمسؤولية وعين المسؤولية. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ قالوا: هذه الجملة جواب الآيات المتواصلة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وما بعدها، وهي اثنتا عشرة آية صنعت الإطار العام لصورة مسؤولية الإنسان عن كل أعماله، والتعبير
[١] تفسير القرطبي: ج ١٩ ص ٢٣٤.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٩ ص ٢٣٥.