من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٩ - لكم دينكم ولي دين
الشهوات، أو ضغط الطغاة والمجتمع الفاسد.
[٥] وكذلك يتمايز خط الإيمان والشرك ولن يلتقيا على محور واحد، فلا ترى أحدا من الكفار بالله أبدا عابدا له، كيف وأن أول ما يأمر به الله هو الكفر الطاغوت ومقاومة الجبت وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ أي أنهم حال شركهم بالله ليسوا من الله في شيء، لأن الشرك حجاب بين الإنسان وربه، حجاب في القلب وحجاب في السلوك، وإنما تتجلى قيمة الإيمان في كبح جماح التكبر في النفس، وكبح جماح المستكبرين في المجتمع، ليتحرر الإنسان من الجبت والطاغوت، ويعود إلى نور عقله وصفاء فطرته، ويمضي قدماً في تسخير الطبيعة في الدنيا، وابتغاء مرضاة الله ونعيم الجنة. أما المستسلم للضغوط، المسترسل مع شهوات النفس وأهواء المتجبرين، فإنه ليس بمؤمن بالله. أوليس الإيمان بالله يعطي الإنسان بصيرة وعزما، وحكمة وشجاعة، عقلا وتوكلا؟ وهل يمكن لمن أوتي تلك الصفات المثلى أن يتبع هواه ويطيع الطغاة؟.
[٦] وهكذا استبان طريق الضلال عن سبيل الله، ودين الكفار عن دين الحق. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ والدين هو المنهج المتكامل الذي يلتزم به الإنسان في حياته، ولا يجتمع منهج الله مع منهج الشرك، وقال بعضهم: الدين هنا بمعنى الجزاء، فمعناه: أن لكل شخص جزاء عمله وعبادته. إن خيرا فخير وإن شرا فشر. والمعنى الأول أوفق مع السياق؛ لأن جوهر الدين العبادة، فمن عبد الله دان بدينه، ومن عبد الشركاء دان بدينهم. وهذه البراءة الصريحة من دين الشرك هي التي ميزت دين الله عن دين الأدعياء، وميزت عباد الله عن عبد الطاغوت، وميزت خط الرسالة الأصيل عن سبل الضلال.
إن المشركين والمستكبرين والمترفين حاولوا عبر التاريخ التقاطع مع المؤمنين الصادقين بالترغيب والترهيب فلم يفلحوا، وكان هدفهم استخدام اسم الدين وشعاراته لتمرير فسادهم وظلمهم، وإضفاء الشرعية على تجبرهم واستغلالهم، ولقد بقي رجال الله المخلصون صامدين أمام تلك المحاولات بتوفيق الله، وبالرغم من تعرضهم لشتى ألوان الأذى.
وجاءت هذه السورة التي استفاضت على أهميتها النصوص الشرعية، وثيقة براءة من المشركين، وسدا منيعا أمام محاولاتهم التأثير في التجمع الإيماني. و إنما تكررت آيات النفي لتأكيد هذه البراءة وذلك الفصل، ومن عادة العرب التكرار للتأكيد وأنشدوا للشاعر
يا أقرع بن حابس يا أقرع
إنك إن يصرع أخوك تصرع