من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٠ - إنا أعطيناك الكوثر
وهكذا جاء في سبب نزول السورة: [إن رسول الله صلى الله عليه واله دخل من باب الصفا، وخرج من باب المروة فاستقبله العاص بن وائل السهمي، فرجع العاص إلى قريش، فقالت له قريش: من استقبلك يا أبا عمرو آنفا؟ قال ذلك الأبتر، يريد به النبي صلى الله عليه واله حتى أنزل الله هذه السورة] [١].
ونجد في النصوص التي تفسر هذه الكلمة إشارة إلى أهل بيت النبي، وكيف يذاد عن حوض الكوثر من ظلمهم من بعده. فقد أخرج ابن مردويه عن أنس قال: [دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَقَالَ
قَدْ أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله وَمَا الْكَوْثَرُ! قَالَ صلى الله عليه واله
نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، لَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْهُ فَيَظْمَأَ وَلَا يَتَوَضَّأُ أَحَدٌ مِنْهُ فَيَشْعَثَ أبداً، لَا يَشْرَبُهُ إِنْسَانٌ أَخْفَرَ ذِمَّتِي وَقَتَلَ أَهْلَ بَيْتِي] [٢].
ومن هنا ذكر الفخر الرازي هذا القول وأيده ببعض الشواهد. فقال: القول الثالث: الكوثر أولاده، لأن هذه السورة إنما نزلت على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد، فالمعنى: [أنه يعطيه نسلًا يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت عليهم السلام ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم] [٣].
ويبقى سؤال: هل الكوثر في القيامة حوض كبير في مدخل الجنة أم نهر كريم في عرصاتها؟ لعل الكوثر نهر يفيض خيره إلى مداخل الجنة ويصب في حوض عظيم. دعنا- في خاتمة الحديث عن الكوثر- نذكر بعض الأحاديث في صفة ذلك النهر والحوض.
جاء في حديث مسند إلى ابن عباس أنه قال: [لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
مَا هُوَ الْكَوْثَرُ يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ صلى الله عليه واله
نَهَرٌ أَكْرَمَنِي اللهُ بِهِ،
قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام
إِنَّ هَذَا النَّهَرَ شَرِيفٌ فَانْعَتْهُ لَنَا يَا رَسُولَ الله،
قَالَ صلى الله عليه واله
نَعَمْ يَا عَلِيُّ الْكَوْثَرُ نَهَرٌ يَجْرِي تَحْتَ عَرْشِ الله تَعَالَى مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، وَحَصَاهُ
[حَصْبَاؤُهُ]
الزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ حَشِيشُهُ الزَّعْفَرَانُ تُرَابُهُ الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ قَوَاعِدُهُ تَحْتَ عَرْشِ الله عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله يَدَهُ فِي جَنْبِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَقَالَ صلى الله عليه واله
يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا النَّهَرَ لِي وَلَكَ وَلِمُحِبِّيكَ مِنْ بَعْدِي] [٤].
وأورد مسلم في صحيحه عن أنس أنه قال: [بَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه واله ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا
[١] الدر المنثور: ج ٦ ص ٤٠١.
[٢] الدر المنثور: ج ٦ ص ٤٠٢، شواهد التنزيل: ج ٢، ص ٤٨٧.
[٣] التفسير الكبير: ج ٣٢، ص ١٢٤.
[٤] بحار الأنوار: ج ٨ ص ١٨.