من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - ألهاكم التكاثر
وكلمة أخيرة: إن الإنسان لا يني يكافح حتى يزداد مالا وولدا، حتى إذا انهارت قواه، ولما يبلغ مناه تراه يتفاخر بالغابرين، ويتكاثر بأهل القبور البالية. ما أكفر الإنسان، وما أبعده في الضلال! أفلا يعتبر بمن هلك من قومه، ويقول: إني من بعدهم لهالك، أفلا أرتدع عن التلهي بالدنيا، وأنا وارد موردهم، ونازل بمنازلهم.
[٢] ويبقى الإنسان سادرا في غفلته، لاهيا بالتنافس على حطام الدنيا، حتى يزور المقابر، ليرى بيت الوحشة مظلما لم ينوره بمصابيح الصلاح، ولم يمهده بحميد الفعال، فلا ينفعه يومئذ مال ولا بنون، ولا يغنيه مجد ولا فخر.
جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ مُثِّلَ لَهُ شَخْصٌ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا كُنَّا ثَلَاثَةً كَانَ رِزْقُكَ فَانْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ أَجَلِكَ وكَانَ أَهْلُكَ فَخَلَّفُوكَ وانْصَرَفُوا عَنْكَ وكُنْتُ عَمَلَكَ فَبَقِيتُ مَعَكَ أَمَا إِنِّي كُنْتُ أَهْوَنَ الثَّلَاثَةِ عَلَيْكَ] [١].
حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ ولعل التعبير ب- حَتَّى للدلالة على أن التكاثر الذي يضر بصاحبه هو الذي يتصل بالموت فلو تاب صاحبه من قبل نفعته توبته، وللدلالة أيضا على أن التكاثر يبقى يلهي صاحبه حتى الموت، فعلينا ألا نسترسل معه، ولا ينظر بعضنا إلى ما أنعم الله على الآخر من أزواج وأموال وأولاد، بل ينظر في أمور الدنيا إلى من دونه، وفي شؤون الآخرة إلى من هو فوقه، قال تعالى وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: ١٣١].
والسؤال: لماذا قال زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ أجابوا: لأن العرب يقولون لمن مات قد زار قبره، ويبدو أن التعبير يوحي أيضا بأن من يموت لا يفنى، إنما ينتقل من عالم لآخر فهو كالزائر. و قيل: أن معنى زيارة المقابر: التفاخر بالأموات، والتكاثر بعددهم، حسب ما سبق في بيان نزول السورة، وقلنا هناك: أن الآية تتسع لهذا المعنى أيضا، ولذلك ذكر بعض المفسرين أهمية زيارة القبور وأنها تذكر الإنسان بالموت، وتزهده في الدنيا، وذكروا نصا مأثورا عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
[كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُور، فَزُورُوا القُبُور، فَإِنَّهَا تُزهِد فِي الدُنيَا، وَتُذكِر الآخِرَة]
[٢]. وقد حث الإسلام على ذكر الموت، والذي يتم بعضه بزيارة القبور، حتى جاء في حديث مأثور عن الإمام الباقر عليه السلام
[يَا أَبَا عُبَيْدَةَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ إِنْسَانٌ ذِكْرَ الْمَوْتِ إِلَّا زَهِدَ فِي الدُّنْيَا]
[٣] وحينما سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
[أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ أَكْثَرُهُمْ ذِكْراً
[١] بحار الأنوار: ج ٦، ص ٢٦٥.
[٢] تفسير القرطبي: ج ٢٠، ص ١٧٠.
[٣] الكافي: ج ٣ ص ٢٥٥.