من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٦ - ألهاكم التكاثر
الاهتمام بالتكاثر فأنساكم الآخرة، وقد اختلف المفسرون في الذي ألهاهم هل هو المفاخرة والمباهاة حسب ما يأتي في بيان شأن النزول، أم التجارة والتشاغل بأمر المعاش حسب ما جاء في رواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه واله أنه قرأ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ وقال
[التَكَاثُر: الأَمْوَال التِي جَمَعَهَا مِنْ غَيرِ حَقهَا، وَمَنَعَهَا مِن حَقِهَا، وَشَدهَا فِي الأَوعِيَة] [١].
يبدو أن الدافع النفسي إلى التكاثر، والتنافس في الأموال والأولاد هو الذي ألهاهم، سواء تجسد في السعي نحوهما أو في المباهاة بهما، لأن هذا الدافع موجود بالتالي هنا وهناك. ولذلك لا أجد تناقضا بين ما يظهر من معنى اللفظ من التشاغل بالتجارة وبشؤون الأولاد، وما ذكر في قصة نزول السورة من المباهاة والمفاخرة بذلك، لأنهما يدخلان تحت عموم اللفظ، وينتهيان إلى الدافع ذاته.
أما شأن النزول فإن المفسرين اختلفوا فيه كثيرا، مما يدل على أن مراد السابقين من شأن النزول أن السورة تنطبق على ما يقولون، ولا تدل بالضرورة أنها نزلت فيهم حقا، وهكذا قال بعضهم: إنها نزلت في اليهود، حيث تفاخرت قبائلهم على بعضهم، وقال البعض: بل في قبيلتين من الأنصار، وقال ابن عباس: بل في حيين من قريش وهما بنو عبد مناف وبنو سهم. وأضاف: تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال: كل حي منهم: نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، فكثر بنو عبد مناف سهما، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم سهم، فنزلت أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ بأحيائكم، فلم ترضوا حتى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ مفتخرين بالأموات.
بلى، لا يزال الناس يفتخرون بأمجاد الغابرين، ويتكاثرون بمن أمسوا ترابا، وكأنهم يغنون عنهم شيئا من أمور دينهم أو دنياهم، هيهات. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وقد تلا هذه الآيات
[يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ وتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ وحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ ولَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً ولَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ وضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ] [٢].
من عبر التاريخ ما ينقله الرواة عن مصير هؤلاء المتكاثرين المتفاخرين، يقول قتادة
[كَانُوا يَقُولُون نَحْنُ أَكْثر مِنْ بَنِي فُلان، وَنَحْنُ أَعزُ مِن بَنِي فُلان، وَهُم كُل يَومٍ يَتَساقَطُون إِلى آخِرهُم، والله مَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَى صَارُوا مِنْ أَهْلِ القُبورِ كُلِهم][٣].
[١] تفسير نور الثقلين: ج ٥، ٦٦٢.
[٢] نهج البلاغة: خطبة: ٢٢١.
[٣] تفسير القرطبي: ج ٢٠، ص ١٦٩.