من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٩ - إن الإنسان لربه لكنود
ويكون معنى الإيراء إشعال النيران لطعامهم، ومعنى الجمع: مزدلفة، أما معنى المغيرات صبحا- حسب التفسير- فهي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من منى إلى جمع، والسنة ألا تدفع حتى تصبح. ويبدو أن تأويل الآيات في الحج ومناسكه ومشاعره لا يتنافى مع تأويلها في الجهاد، أليس الحج جهاد المستضعفين؟ ويشبه مناسكهم وحركتهم.
وهكذا نجد الرواية التالية المأثورة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تجمع بين التأويلين، تدبر قليلا فيها: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: [بَيْنَمَا أَنا فِي الحِجْرِ جَالِس، إِذْ أتَانِي رَجُل فَسَأَلَ عَن وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَقُلتُ لَهُ: الخيلُ حِينَ تَغْزو فِي سَبيلِ الله، ثُم تَأْوي إِلى الليلِ، فَيَضَعُون طَعَامَهُم، وَيُورونَ نَارَهُم، فَانْفَتَلَ عَني وَذَهَبَ إِلى عَلي بن أَبِي طَالب عليه السلام- وَهوَ تَحْتَ سِقَايةِ زَمْزَم- فَسَأَلَهُ عَن وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَقَالَ عليه السلام
سَأَلْت عَنْهَا أحداً قَبْلي؟.
قَالَ: نَعَم، سَأَلْتُ عَنْهَا ابن عَبَاس، فَقَالَ: الخيلُ حِينَ تَغْزو فِي سَبيلِ الله، قَال
فَاذْهَب فَادعهُ لِي.
فَلَمَا وَقَفَ عَلى رَأسِهِ قَال عليه السلام
أَتفْتِي الناسَ بمَا لا عِلمَ لَكَ بِهِ، والله إن كَانَتْ لأول غَزْوةٍ فِي الإسلامِ بَدر، وَمَا كَانَ مَعَنَا إلا فَرَسَان: فَرَس للزُبير، وَفَرس للمقدَاد بن الأسْوَد، فَكَيفَ يَكُون العَادِيَات الخَيل؟ بَل العَادِيات ضَبْحَا الإبل مِن عَرَفة إِلى المُزْدَلفة، وَمِن مزدلفة إِلى منَى.
قَالَ ابن عَباس: فَرَغبتُ عَن قَولِي وَرجعتُ إِلى الذي قَالَه علي] [١].
ويؤيد الجمع بين التأويلين ما جاء في سبب نزول السورة
[أَنهُ كَانَ في سَريةٍ
(ذات السلاسل)
قَادَهَا الإمامُ عَلي
عليه السلام
حَيثُ أَخبرَ جبرائيل
عليه السلام
النَبي
صلى الله عليه واله
: أَن أَهْل وَادِي اليَابِس قَد اجْتَمَعُوا فِي اثْنَي عَشَرَ أَلْف فَارِس، وَتَعَاقَدُوا وَتَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَتَخلف رَجُل عَن رَجُل. وَلا يَخْذل أَحَد أَحَداً حَتَى يَقْتلوا مُحمداً وَعَلياً، فَبَعَثَ رَسُول الله إِلَيْهم بِسَرية يَقُودُهَا أَبُو بَكر فِي أَرْبَعَةِ آلافِ رَجُلٍ، فَلَمَا رَأَى بَأْسَهم وَبُعْد دِيَارِهم لَم يُحَارِبهُم، فَأَرْسَلَ رَسُول الله عُمراً بِالمُهِمةِ، فَعَادَ هُوَ الآخر لِذَاتِ السببِ، فَلَما بَعثَ إليهِم عَلياً مَشَى إِليهِم مِن غَيرِ الجَادةِ، وَأَعْنَفَ في السيرِ، فَمَا أَحَاطَ بِأَرْضِهِم، أَغَارَ عَليهِم صَبَاحاً وَهُم غَافِلون، فَلَمَا يَعْلمُوا حَتى وَطَأَتهُم الخَيْل، وَأَقْبَلَ بِالأَسَارَى وَالأمْوال إِلى رَسولِ الله فَنَزَلَتْ السُورَة] [٢].
[٦] قسماً بكل ذلك الإيثار العظيم الذي يتجلى في معارك المجاهدين، قسما بتلك القمم السامقة التي بلغوها بإيمانهم ويقين قلوبهم: إن الإنسان قد طبع على كفران النعمة، ولن
[١] نور الثقلين: ج ٥ ص ٦٥٦، ونجد روايات مشابهة في سائر التفاسير.
[٢] المصدر السابق: ص ٦٥٢: بتصرف واختصار، وراجع أيضاً بحار الأنوار: ج ٢١، ص ٦٦، وكذلك مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٢٨.