من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٠ - وما أدراك ما ليلة القدر
البصيرة الأولى: يبدو أن التقدير في هذه الليلة لا يطال كل جوانب الحياة، فهناك ثلاثة أنواع من القضايا
الأول: نوع قدر في ليلة واحدة في تاريخ الكون، فقد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال
[قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه واله يَا عَلِيُّ أَتَدْرِي مَا مَعْنَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقُلْتُ لَا يَا رَسُولَ الله صلى الله عليه واله فَقَالَ: إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَّرَ فِيهَا مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَكَانَ فِيمَا قَدَّرَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَايَتُكَ وَوَلَايَةُ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة] [١].
الثاني: تقديرات تتم في السنة التي يعيشها الإنسان.
الثالث: تبقى مفتوحة تخضع لمشيئة الإنسان وهي الفتنة، مثلا: إن الله يقدر للإنسان في ليلة القدر الثروة، أما كيف يتعامل الإنسان مع الثروة هل ينفق منها، أم يبخل بها ويطغى، فإن ذلك يخضع لمشيئة الإنسان وبه يتم الابتلاء، كذلك يقدر الله للإنسان المرض أما صبر المريض أو جزعه فإنه يتصل بإرادته.
ومع ذلك فإن لله البداء، إذ لا شيء يحتم على ربنا سبحانه، وقد قال سبحانه يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩] وقد جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام قال
[إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ وَالْكَتَبَةُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَكْتُبُونَ مَا يَكُونُ مِنْ قَضَاءِ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُقَدِّمَ أَوْ يُؤخِرَ أَوْ يُنْقِصَ شَيْئا أو يزيده أمر الله أَنْ يَمْحُوَ مَا يَشَاءُ ثُمَّ أَثْبَتَ الَّذِي أَرَادَ.
قُلْتُ: وَكُلُّ شَيْءٍ عنده بمقدار مُثْبَتٌ فِي كِتَابه؟. قَالَ عليه السلام
نَعَمْ.
قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ بَعْدَهُ؟. قَالَ عليه السلام
سُبْحَانَ الله ثُمَّ يُحْدِثُ اللهُ أَيْضاً مَا يَشَاءُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى]
[٢]. هكذا تبقى كلمة الله هي العليا، ومشيئته هي النافذة، ولكن الاتكال على البداء، وتفويت فرصة ليلة القدر نوع من السذاجة، بل من السفه والخسران.
البصيرة الثانية: أن الله يقدر لعباده تبعا لحكمته البالغة ولقضائه العدل، فلا يقضي لمؤمن صالح متبتل ما يقدر لكافر طالح، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]. وهكذا يؤثر الإنسان في مصير نفسه بما فعله خلال العام الماضي، وما يفعله عند التقدير في ليلة القدر، وما يعلمه الله من سوء اختياره خلال السنة، مثلا: يقدر الله لطاغوت يعلم أن لا يتوب بالعذاب في هذه السنة لأنه سوف يظلم الناس خلالها، ولو افترضنا أنه وفق للتوبة ولم يظلم الناس خلالها،
[١] بحار الأنوار: ج ٩٤، ص ١٨.
[٢] بحار الأنوار: ج ٤ ص ٩٩، تفسير القمي: ج ١ ص ٣٦٦.