من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٢ - إن سعيكم لشتى
عزم إرادة لكي يرتطم بالصخور، أو تهوي به في الوادي؟! إنه يتيسر لمصيره فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى كما قال ربنا سبحانه وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً [طه: ١٢٤].
[١١] من ضيق نفس البشر ومحدودية أفقه أنه يفرح بما أوتي حتى يستغني به عما لا يملك ويتملكه الغرور به، والاستغناء والغرور يدفعانه إلى الطغيان، كما يقول ربنا سبحانه كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦- ٧]. ومن فرط غرور المرء بماله يزعم أن ماله يصنع له المعجزات، وأنه يمنع عنه كل سوء، ولكن هيهات. وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى أي سقط في الهاوية بفعل ذنوبه! وقيل: معناه إذا مات.
وقد جاء في حديث مأثور عن الإمام الرضا عليه السلام في تفسير هذه الآية
[عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى
قَالَ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ لِرَجُلٍ فِي حَائِطِهِ نَخْلَةٌ وكَانَ يُضِرُّ بِهِ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَدَعَاهُ فَقَالَ أَعْطِنِي نَخْلَتَكَ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَأَبَى فَبَلَغَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُكَنَّى أَبَا الدَحْدَاحِ فَجَاءَ إِلَى صَاحِبِ النَّخْلَةِ فَقَالَ بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي فَبَاعَهُ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله. فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله قَدِ اشْتَرَيْتُ نَخْلَةَ فُلَانٍ بِحَائِطِي، قَالَ: قَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله فَلَكَ بَدَلَهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه واله
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى] [١].
[١٢] من المسؤول عن عملك أنت أم ربك؟.
كل منا يجيب بفطرته وبلا تردد أنه هو الذي اختار نوع عمله، فهو إذاً مسؤول عنه، ومجزي به؛ إنما يوفر الله سبحانه له فرص الهداية كاملة، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها، وهكذا أتم السياق بيان مسؤولية الإنسان عن أفعاله، وأن سعيه شتى، فمن اختار العطاء والتصديق يسره الله للحسنى، ومن اختار البخل والتكذيب يسره الله للعسرى. أقول: أكمل هذه البصيرة ببيان: أن الهدى عليه، والسعي علينا، ولذلك فالإنسان هو الذي يتحمل مسؤولية سعيه. إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وقال سبحانه وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [النحل: ٩] وقال إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٩] وعلى الإنسان أن ينتظر هدى الله وبيانه. فإذا هداه بادر باتباع هداه وتنفيذ بيانه.
[١٣] وإن الرب الجبار هو المسيطر على شؤون الآخرة والدنيا، فإذا اتبع أحد هداه فبتوفيقه وتيسيره، وإذا ضل وعصى ففي إطار قدرته، فلا يعصي الله عن غلبة أو ضعف، ولا
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٣، ص ٣١٣، تفسير القمي: ج ٢ ص ٤٢٦، والرجل الآخر هو سمرة بن جندب كما في الروايات.