من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٠ - إن سعيكم لشتى
[٢] قسماً بالليل إذ يحيط بالأشياء، وبالنهار إذ يتجلى بنوره ونشاطه ودفئه وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى.
[٣] منذ نعومة أظفارها تحب الطفلة أن تحضى بتماثيل تزعم إنها أولادها، ومنذ نعومة أظفاره يحب الطفل ما يزعم أنه سلاحه، ما الذي فرق بين مشاعرهما؟ وتنمو الطفلة وتتميز عن الطفل أكثر فأكثر بيولوجيا وسيكولوجيا، وكما يتميز الجنسان عند البشر كذلك في سائر الأحياء والنباتات، فسبحان الذي خلق الزوجين، يتكامل أحدهما بالآخر! وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى.
[٤] وكما اختلف الذكر عن الأنثى، والليل عن النهار، كذلك يختلف سعي الإنسان. لو نظرت إلى خلية هل تستطيع أن تتنبأ بأنها سوف تتفتق عن مولود ذكر أم أنثى؟ كلا .. ولكن الله يقدر لها ذلك حسب ما يرى من حكمة بالغة، كذلك حين تنظر إلى فعلة يرتكبها شخص قد لا تعرف إنها ستكون وسيلة لإنشاء حضارة أو تدمير حضارة ولكن الله يعلم ذلك ويهدينا إليه بفضله. هناك إنفاق في سبيل الله ينمي المال، ويزكي القلب، وينشط الدورة المالية في المجتمع، وهناك إنفاق يماثله في الظاهر، ويناقضه في المحتوى، يوقف مسيرة التكامل في المجتمع. هناك قتال في سبيل الله يكون بمثابة عملية جراحية ناجحة، وآخر يكون في سبيل الطاغوت، يهدم المجتمع، ويبيد الحضارة، والناس لا يرون إلا ظاهر القتال دون أن يعرفوا هدفه ووجهته ونفعه وضره .. ولكن الله يهدينا إلى أن هذا سعي حسن وأن ذاك سعي هدام. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى.
[٥] كل ابن أنثى يكدح في حياته، ويسعى، ويصارع الأقدار، ولكن الذي يعطي ماله في سبيل الله، ويتقي الحرام هو الذي ينتفع بعطائه. فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى إنه يختلف عمن يعطي ويمن أو يعطي مما سرقه من الناس، أو يختار أفسد ما عنده للعطاء، أو يضعه في غير محله للمداحين والمتملقين من حوله، أو يهدف من عطائه رياء وسمعة وسيطرة على المستضعفين؛ فإن عمله لا يتقبل منه لأن الله يقول إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧] بل يكون وبالا عليه يوم القيامة، وضيقا وحرجا في الدنيا.
[٦] ما الذي يجعل سعي الإنسان وعطاءه زكيا نقيا مرضيا؟ إيمانه بالله، وتصديقه برسالاته ورسله. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى لأن الإيمان بالله يحدد وجهة الإنسان، فليس سواء من يسعى إلى المسجد ومن يسعى إلى الملهى! ثم هنالك من يريد المسجد ولا يعرف السبيل إليه، فمن يحدد لنا سبل السلام، ويضعنا على المحجة البيضاء حتى نصل إلى حيث الخيرات؟ هم الرسل. فمن كذب بهم ضل السبيل، وكان كمن يريد مكة، ولكنه يضل طريقه فيصل إلى اليمن.
وسميت الرسالة بالحسنى لأنها تهدينا إلى أحسن السبل لأحسن الأهداف. وقد جاء في