من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٣ - فألهمها فجورها وتقواها
[١١] والدس لا يأتي من فراغ بل ضمن سلسلة من العلل، تبدأ بالطغيان الذي هو صفة ملازمة للإنسان، أوليس الطغيان نتيجة الكبر الذاتي. والكبر يلازم الجهل، والفرح بما تملكه النفس دون النظر إلى ما لا تملكه؟ ومن الطغيان يأتي التكذيب بآيات الله، والانغلاق دون الإنذار ومن التكذيب ينتج الحرمان، أرأيت لو دعاك صاحبك إلى مائدة في يوم مجاعة فكذبته كيف تحرم نفسك!، كذلك الرسل دعونا إلى رحمة الله فكذبهم قوم فخابوا مثل ثمود الذين دعاهم طغيانهم إلى تكذيب آيات الله. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا قالوا: أي بطغيانها فيكون الطغيان سبب التكذيب. وبه جاءت الرواية المأثورة عن الإمام الباقر عليه السلام قال: في تفسير الآية
[الطُّغْيَانُ حَمْلُهَا عَلَى التَّكْذِيب]
[١]. وقال بعضهم: بل الطغوى هو العذاب الطاغي الذي كذبوا به، والأول أظهر.
[١٢] والتكذيب كان صفة عامة لثمود ولكنه تركز في شخص واحد هو الذي عقر ناقة صالح من بعد أن طلبوها آية لهم. إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا وهكذا يقوم شخص أو أشخاص معدودون بالجريمة، ولكن الآخرين يرضون عنهم لأنهم لا يقومون بها إلا ضمن سياق اجتماعي يساعدهم عليها: سكوت أهل الصلاح، ومجاهرة المكذبين، وصلافة المجرمين. من هنا روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال
[أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا والسُّخْطُ وإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَعَمَّهُمُ اللهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ]
[٢]. ومعنى انبعث: نهض، وإنما سمي عاقر الناقة أشقى ثمود لأنه قام بما لم يجرؤ عليه غيره منهم، وجاء في حديث مأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال له النبي صلى الله عليه واله
[يَا عَلِيُّ أَتَدْرِي مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ قَالَ قُلْتُ الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ عَاقِرُ النَّاقَة [ثُمَّ قَال] تَدْرِي مَنْ شَر وَقَالَ مَرة مَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ قَالَ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: قَاتِلُك]
[٣]. وروي عن عمار بن ياسر قال: [كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فِي غَزْوَة العسرة نَائِمَيْنِ فِي صَوْرٍ مِنَ النَّخْلِ وَدَقْعَاءَ مِنَ التُّرَابِ فَوَ الله مَا أَهَبَّنَا إِلَّا رَسُولُ الله صلى الله عليه واله يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ فَقَالَ صلى الله عليه واله
أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ، رَجُلَيْنِ
قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ الله. قَال صلى الله عليه واله
أخو ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِه يَعْنِي قَرْنه حَتَّى تُبَلَّ مِنْهَا هَذِه يَعْنِي لِحْيَتِه] [٤].
[١٣] حينما يكون الذنب تحديا لسلطان الرب يحل بصاحبه العذاب العاجل، كما كان
[١] بحار الأنوار: ج ١١ ص ٣٩٤، تفسير القمي: ج ٢ ص ٤٢٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ١١ ص ٣٩٤، تفسير القمي: ج ٢ ص ٤٢٤.
[٣] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣٩٣.
[٤] بحار الأنوار: ج ٣٥ ص ٦١. الصور: المجتمع من النخل، الدقعاء: التراب الدقيق على وجه الأرض.