من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٢ - فألهمها فجورها وتقواها
وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: في تفسيرها
[بَيَّنَ لَهَا مَا تَأْتِي ومَا تَتْرُكُ] [١].
[٩] عظيمة جدا نعمة العقل الذي هو مرآة للطبيعة، تعكس ما فيها من خير وشر، وحسن وقبح، وجمال ودمامة، وأعظم منها المشيئة التي بها يتم انتخاب الإنسان لواحد منهما، ويبلغ بها البشر أرفع درجات الكمال المتمثلة في الفلاح، أوليس الفلاح بلوغ المنى، وتحقيق أبعد الأهداف والغايات؟! بلى، ولكن كيف يبلغ الإنسان ذلك؟ بتزكية النفس وتطهيرها من حوافز الشر، ورواسب الشرك، ووساوس الشيطان. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا قالوا: الزكاة بمعنى النمو والزيادة، ومنه زكاة الزرع إذا كثر ريعه، ومنه تزكية القاضي للشاهد لأنه يرفعه بالتعديل. ويبدو لي أن أصل معنى الزكاة التطهير، وبما أن الشيء الطاهر ينمو بينما لا يكون الخبيث إلا نكدا تلازم معنى الزكاة والتطهير. وقال بعضهم أن أجواد العرب كانوا ينزلون الرُّبا والمرتفعات ليسهل على أصحاب الحاجة الوصول إليهم، بينما اللئام كانوا يختارون الأطراف والمنخفضات هربا من الفقراء وطالبي المعروف، فأولئك علَّوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها.
[١٠] كما أن من زكى نفسه وطهرها من أدرانها وأنقذها من قيودها وأغلالها ينطلق في معارج الكمال، ويبلغ الفلاح، فإن من دس نفسه في أوحال الجهل، وسلاسل العبودية، للمال والجاه، فإنه يخيب ولا يبلغ أيا من أهداف وجوده. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا وأصل الدس من التدسيس، وكما قالوا: هو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياء، كما يقال: قصيت أظفاري، وأصلها قصصت أظفاري، وقد استخدمت الكلمة في الإغواء كما قال الشاعر
وأنت الذي دسست عمرا فأصبحت
حلائله منه أرامل ضيعا