من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - فألهمها فجورها وتقواها
[٥] عندما يستجلي المتدبر في ظواهر الطبيعة آيات الله فيها يعي الإنسان عظمة السماء وبنائها المتين، والأرض وإعدادها لراحة البشر، وفيذكره الله سبحانه بهما قائلا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا أي تدبير عظيم، وأية حكمة بالغة، وآية قوة واسعة، وأي علم محيط وراء بناء السماء وما فيها من أجرام سماوية مسخرة في أفلاكها. لا يكاد حتى الخيال العلمي الخصب ملاحقة أبعادها وآفاقها ومبتدئها ومنتهاها.
[٦] انظر إلى الأرض التي تعتبر بالقياس إلى سائر أجرام السماء كسمكة صغيرة على شاطئ المحيط إذا قستها إلى الحيتان الكبار التي تجوب البحار الواسعة، أو كأصغر حرف من أصغر كلمة في كتاب متواضع بالنسبة إلى مكتبة تضم ملايين الأسفار، فإذا نظرت إلى الأرض وبحارها وسهولها وجبالها وأنواع الخلق فيها- مما لا يحصيها العلم- كل نظرك ونصب مخك، وقلت: سبحان الله! ما أعظم تلك القوة التي دحت الأرض وهيأتها للحياة بعشرات الملايين من وسائل الحياة والراحة وأسبابها وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا قالوا: الدحو والطحو واحد، ومعناهما البسط، وقال الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز لأنه حياة لما خلق عليها، ويبدو أن أصل الطحو هو تهيئة الشيء وتمهيده والله العالم.
[٧] لماذا خلقت السماء والأرض، وأحكمتا البناء أوليس للإنسان؟! تعالوا وفكروا في هذا العالم الكبير: إنه آية على ما خلقهم الله من الأرض من أحياء وأشياء. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا في أعماق هذه النفس آيات لا يتسنى لغير صاحبها بلوغ أغوارها، كذلك في أعماق سائر النفوس وسائر الحقائق. إنك ترى الشمس من ظاهرها، تلامس جدرانها الخارجية فهل تعرف ما يجري هناك في داخلها، كذلك القمر والنهار والليل، بينما نفسك أقرب الكائنات إليك لا تقدر على اكتشاف جانب من أغوارها الذاتية، فتفكر أي خلق عظيم هذه النفس التي هيأها الله سبحانه، ونظم أمرها، بأحسن تنظيم.
[٨] وأعظم ما في النفس العقل الذي هداها الله به إلى خيرها وشرها، تقواها وفجورها، ما يصلح لها وعليها أن تأتي به، وما يفسدها وعليها أن تتركه. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا كما قال سبحانه وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] ومعرفة الفجور قدمت على معرفة التقوى إذ أن النفس تعرف أولًا أسباب الهلاك، ثم تعرف كيف تتجنبها بوسائل الصلاح. علما بأن أكثر الواجبات هي سبل للتخلص من المفاسد.
جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه واله
[أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآية
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
رَفَعَ صَوْتَه بِهَا وَقَالَ: آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا فَأَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا][١].
[١] بحار الأنوار: ج ٩٨، ص ٣٤٢.