من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٣ - إن ربك لبالمرصاد
بلى، كلمات المفسرين إشارات مفيدة على الطريق، ولكنها ليست بديلا عن سعيك بنفسك في ذلك الطريق. وإذا طويت درب المعرفة بنفسك فإن العلم الذي تكتسبه ينور قلبك، ويصبح جزءا من نفسك، فيرتفع مستواك، وإنك لا تنساه بإذن الله.
ونعود إلى كلمات القسم الأولى في السورة، ونتساءل- مع من تساءل من المفسرين-: ما الفجر، وما الليالي العشر، وما هو الشفع، وما الوتر؟ لأن الكلمات قسم، والقسم يهدف استثارة القلب وطرق أبوابه المغلقة، فإن إجمالها قد يكون مطلوبا، لأنه يزيد حالة التهويل والتفخيم. ولكن بين التفاسير العديدة يبدو اثنان منها أقرب
الأول: عموم المعنى حتى يشمل أغلب المصاديق التي ذكرت في التفاسير، فالفجر هو الفجر سواء كان فجر يوم العيد العاشر من ذي الحجة أو فجر أول يوم من أيام محرم حيث الساعات الأولى من السنة الهجرية أو فجر الرسالة أو فجر الثورة الحسينية في أرض كربلاء أو أي فجر آخر ينبلج به نهار يوم جديد أو حياة جديدة أو مسيرة جديدة .. وهكذا الليالي العشر تتسع لعشر ليال من كل شهر، وكذلك الشفع والوتر فإنهما يتسعان لكل ما شفع أو وتر.
الثاني: تفسير الكلمات بأيام الحج من ذي الحجة الحرام، فالفجر يكون فجر الأول من أيامه أو فجر العيد، بينما الليالي العشر هي العشرة الأولى من هذا الشهر الذي يشهد أعظم مسيرة دينية في السنة، وأما الشفع والوتر فهما يوم عرفة (باعتباره التاسع والتسعة وتر) ويوم العيد (باعتباره العاشر والعشرة شفع)، أما الليل الذي يسري فهو ليلة الإفاضة من عرفات إلى المشعر فمنى.
وَالْفَجْرِ قسما بلحظة انبلاج النور من الأفق حيث ينتظره الجميع بعد أن أخذوا قسطا كافيا من السبات والراحة. قسما بلحظة انطلاقة المسيرة الرسالية التي فجرت رحم الظلام الجاهلي فوق روابي مكة في غار حراء مع جلجلة الوحي اقرأ يا محمد اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. قسما بلحظة انبعاث الدم من أوداج السبط الشهيد بكربلاء ليبعث ثورة الحق ضد ظلام الجاهلية المقنعة، وتنطلق المسيرة من جديد. قسما بكل لحظات الانبلاج والانطلاق في مسيرة البشر بعد تراكم ظلمات الظلم والجهل والقمع والتضليل. وقسما بفجر العدالة الشاملة مع ظهور شمس المجدد الأعظم لرسالة الإسلام الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعلى فرجه الذي وعد الله أن يظهر به دينه الحق على الدين كله ولو كره المشركون. قسماً بكل تلك اللحظات الحاسمة: إن الحق منتصر، وإن الله للظالمين بالمرصاد.
[٢] بعد عشرة ليال من الجهد المكثف، والعمل الدؤوب، بعد تحمل وعثاء السفر