من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٤ - سبح اسم ربك الأعلى
[٤] ولكن هذه القدرة الهائلة التي تتجلى في الكائنات ليست قدرة ذاتية فيها، بل هي من عند ربها، وهكذا تعيش كلها دورة حياتية معينة لا تلبث أن تساق نحو الفناء حسب تقدير ربها، وإن في ذلك لآية على أن ما بها من قدرة وقوة وحول وطول فهي من عند الله، وأن ما فيها من نقص وعجز وحد وقيد لشاهد على تعالي بارئها منها، وأنه قدوس سبحانه بلا نقص ولا عجز ولا حد ولا قيد.
ويضرب القرآن لنا مثلا ظاهرا لهذه الدورة الحياتية السريعة، ويقول وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى فلقد كانت الأرض حبلى بالمواد التي جعلها الله بالماء وأشعة الشمس نباتا، فإذا بأديمها يخضر بالعصف والريحان، ولكن كم يدوم ذلك؟ ليس إلا أياما معدودة.
[٥] وبعد أيام تتحول الأرض إلى بساط أصفر، وتتراكم أوراق الشجر وبقايا الحصاد إلى غذاء للأحياء بعد المواسم. وإذا بقت المراعي هكذا وتراكمت عليها طبقات من التراب أصبحت فحما حجريا تنتفع منه الأجيال القادمة. لا شيء من خلق الله يذهب باطلا. أنه يصبح مادة لخلق جديد أو ما ينفع الخلق الجديد. وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى قالوا: أصل كلمة الغثاء زبد السيل وما يتجمع في أطراف المياه من بقايا النبات والقماش، ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس. أما الأحوى فإنه الأسود، وإذا تراكم النبات واشتد اخضراره تراءى كأنه سواد، ومن هنا سميت أرض العراق بأرض السواد. ما هذه القدرة التي تقلب الأرض كيف تشاء، فحينا تستخرج نباتها، وآخر تدعها بلقعا تتجمع حولها الغثاء الأحوى؟ وكما الدورة النباتية السريعة كذلك دورة الحياة عند الإنسان إنها تدور بسرعة فإذا باخضرار الحياة تتحول إلى سواد الموت وهكذا الآخرة هي خير من الأولى لمن بصر وعقل.
[٦] لا تنفصل رسالات الله عن السياق العام لمسيرة الكائنات. إنه الله الذي تشهد الخلائق بقدسه وعظمته يبعث إلينا رسولا ويحمله كتابا وهدى، فأيتها السماء اخشعي، ويا أرض قري، ويا أيها الإنسان استعد لتلقي رسالة الله إليك والتسليم للرسول الكريم. سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى أولم يأتك نبأ حراء حيث هبط الروح جبرائيل على محمد الصادق الأمين فقال له اقرأ .. وتواصلت آيات الله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق: ١- ٢]، هكذا أقرأ الله نبيه قراءة واضحة مبينة، فلم تكن وساوس في صدره، ولا أفكار بقلبه، ولم تكن حقائق مجردة يعرف بعضها ويجهل الكثير، كلا .. إنها كلمات واضحة تلقاها الرسول، ونطق بها بوضوح، وهذا هو معنى إقراء الله له جملة بجملة وكلمة بكلمة وحرفا بحرف. وحين يكون المقرئ هو الله والمتلقي من اختاره بعلم لحمل رسالته المهيمنة على كل الرسالات فإن الرسول لا ينسى بإذن الله، ليس لأنه يخرج من حد البشر الذي يجوز له النسيان، بل لأن ربه أبى أن ينسى، فالضمانة هنا من عند