من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٥ - قتل أصحاب الأخدود
[١٠] وشهادة الله ليست للتاريخ فقط، وإنما للجزاء العادل، فإنه يسوق الطغاة إلى جهنم ذات النار اللاهبة والعذاب المحرق. إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وهذه حكمة الله في إعطاء الطغاة فرصة الامتحان، لأنهم بعملهم هذا فتنوا المؤمنين واختبروا إرادتهم، حتى ظهر للناس قيمة الإيمان ومعناه، وكيف أنه فوق الماديات، وأن دعوة الرسول واتباعه ليست من أجل مال أو سلطان. ثم إنهم فتنوا المؤمنين فَخَلُصَ إيمانهم من رواسب الشرك، وخَلُصَتْ نفوسهم من بقايا الجهل والغفلة، وخَلُصَتْ صفوفهم من العناصر الضعيفة، كما يَخْلُص الذهب حينما يفتن في النار من كل الرواسب. تلك كانت حكمة الرب في إعطاء الجبارين فرصة ارتكاب تلك المجازر البشعة بحق الدعاة إلى الله. ولعل بعضهم عادوا إلى الله وتابوا من فعلتهم، ولذلك أشار ربنا بقوله ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ وفرق كبير بين عذاب جهنم الأشد والأبقى، وبين عذاب الأخدود الذي يمر كلمح البصر، ثم ينتهي المعذبون إلى روح وريحان.
[١١] أما أولئك المعذبون فإن الجنات تنتظرهم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ سواء دخلوا التحديات الكبيرة كأصحاب الأخدود أم كانوا من التابعين لهم. وأي فوز أعظم لهم من انتهاء محنتهم وفتنتهم، وبلوغ كامل أهدافهم وتطلعاتهم؟!.
[١٢] قسما بالسماء ذات البروج وباليوم الموعود وبالشاهد والمشهود: إن أخذ الله شديد حيث يأخذ الطغاة والظالمين إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ قالوا: إن هذه الجملة جواب للقسم في فاتحة السورة. ولعل قوله قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ أيضا جواب آخر للقسم، فيكون القسم إطارا لكل الحقائق التي تذكر في هذه السورة. ومن هذه الآية يظهر أن الله قد أخذ أصحاب الأخدود أخذا أليما كما أخذ سائر الطغاة.
[١٣] وكيف لا يكون شديدا بطش جبار السماوات والأرض الذي يبدئ خلق الإنسان ويعيده بعد الفناء؟! إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ.
[١٤] وإنما لا يأخذ أهل الأرض بما كسبوا عاجلا، ويعفو عن كثير من سيئاتهم لأنه يستر ذنوبهم ويحبهم وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ.
[١٥] ووده للمؤمنين وغفرانه لذنوب عباده إنما هو لعزته وقوته ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، وسواء قرأناه بالضم ليكون صفة للرب أو بالكسر ليكون صفة للعرش فإنه واحد إذ عرشه هيمنته وسلطانه، وهو اسم من أسمائه الحسنى، وصفة من صفاته الكريمة.