من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٩ - فاتقوا الله يا أولي الألباب
[١٢] وحيث دعتنا أكثر آيات السورة إلى تقوى الله جاءت الخاتمة تعرفنا بربنا سبحانه، لأن التقوى بنت المعرفة، فكيف إذن نزداد معرفة بربنا لكي نزداد تقوى؟.
لننظر إلى الآفاق من حولنا، إلى السماوات والأرض، وإلى أسمائه المتجلية في هذه الآفاق. إنها سبيلنا إلى معرفته تعالى، فحيثما رميت ببصرك رأيت عجيب الصنع وعظمة الخلقة، وأنى جلت ببصرك وتعمقت بفكرك فلن تجد إلا إجابة واحدة تقودك إلى حقيقة التقوى وسنام المعرفة. «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» قيل: السبع كالسبعين كلمة تدل على الكثرة، وقيل: إن الظاهر هو المقصود، فهناك سبع سماوات، فما هي السماوات السبع؟ هل هي ما تحيط بالأقاليم السبع من الفضاء القريب، باعتبار أن السماء هي الجهة المقابلة للأرض، فإذا كانت الأرضون سبعا- حسب تقسيم الناس يومئذ- فإن سماواتها أيضا سبع، وعلى هذا فإن الأرضين السبع هي تلك الأقاليم المشهورة في أدب العرب وفي عرف الذين خوطبوا بالقرآن، وقد جاء في حديث الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
والله لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا]
[١]، أم أن السماوات السبع إشارة إلى الكواكب أو إلى سبع منظومات شمسية أو إلى المجرات؟ لعل الإنسان يطلع على معاني أخرى إذا تقدم به العلم. والمماثلة بين السماوات والأرضين هنا قد تكون عددية وجنسية حيث إن الأرض من رتق السماء.
«يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ» و «الأَمْرُ»: سنن الله وقضاؤه وتقديراته وما يبدو له مما يدبر به شؤون الخلق، ولعل ذلك سمي أمرا لأن الله وكَّل ملائكة على كل شيء ينفذون إرادته في الكائنات، فهو يأمرهم من فوقهم وهم يعملون بما يريد.
وإذا بحثنا عن الفلسفة الأساسية التي خُلقت من أجلها السماوات والأرض، وبالذات السماوات التي لا يطالها الإنسان فإننا سنجدها ليست المتعة بالنظر إليها، ولا ما تقوم به من دور في وجوده وحياته، إنما هي كماله المعنوي والروحي بمعرفة ربه من خلال أسمائه المتجلية في الكون من حوله «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» حيث تتجلى آية قدرته في الخلق العظيم للسماوات والأرض لتهدينا إلى هذه الحقيقة «وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً»، وآية ذلك أمره الذي يتنزل لتدبير كل شيء. وعلم الإنسان بقدرة الله على كل شيء وعلمه المطلق وبالتالي إيمانه بذلك هو الذي يزرع في نفسه التقوى، حيث يخشى سطوة الله القادر، ويتحسس رقابته عليه فلا يعصيه في علن ولا خفاء.
وكلمة أخيرة: إن الإنسان الذي لا يتخذ الخليقة وسيلة لتكامل معرفته وإيمانه بربه ضال عن هدف الخلقة، أَوَ تدري كيف؟ لأن الله سبحانه قد خلق ما في الأرض للإنسان حتى أصبح
[١] نهج البلاغة: خطبة: ٢٢٤.