من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - لم تحرم ما أحل الله لك
للإنسان بالرغبة في نعيم الآخرة الذي يتصاغر أمامه كل نعيم، ولقد جاء في الأخبار أنها كانت ترى قصورها في الجنة وهي موتدة يُصَبُّ عليها ألوان التعذيب.
الثانية: أن هذه المرأة الشريفة لم يحالفها الحظ في الزوج الذي ترغب فيه أمثالها من المؤمنات فطلبت من الله أن تصير إلى نعم بيت الزوجية، وكان طلب البيت بمثابة طلب من فيه، وماذا يطيب من البيت للمرأة من دون زوج كريم؟ وإذا كان دعاؤها بهذا المعنى فلماذا لم يصرح به في القرآن؟ لعل ذلك لأن الآداب الاجتماعية عند العرب (وربما عند غيرهم أيضا) ما كانت تستسيغ للمرأة العفيفة أن تطلب زوجا.
ومما يؤكد هذه الفكرة الروايات التي بينت أنها تصبح زوجة لرسول الله صلى الله عليه واله في الجنة، فقد أُثر عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه دخل على خديجة عليها السلام وهي في مرض الموت فقال لها
بِالرَّغْمِ مِنَّا مَا نَرَى بِكِ يَا خَدِيجَةُ فَإِذَا قَدِمْتِ عَلَى ضَرَائِرِكِ فَأَقْرِئِيهِنَّ السَّلَامَ،
فَقَالَتْ: مَنْ هُنَّ يَا رَسُولَ الله قَالَ صلى الله عليه واله
مَرْيَمُ بْنَةُ عِمْرَانَ وكُلْثُمُ أُخْتُ مُوسَى وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ] [١]
، وتوحي بهذه الحقيقة أيضا بقية الآية «وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ» فكانت ترفض البقاء في ظله، ويهدينا قوله سبحانه «وَعَمَلِهِ» إلى فكرة هامة هي أن الإنسان المؤمن قد ينجو بالهجرة أو بسقوط النظام الفاسد من
أذى الظالمين المباشر، لكنه قد لا ينجو من أعمالهم، فإذا به يصبح ظالما مثلهم ويعمل الفواحش ويقع في الفساد، لذلك ينبغي الدعاء للنجاة من الظلمة ومن الظلم «وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».
أما المثل الثاني للمؤمنين فهي مريم بنة عمران عليها السلام فإنها رغم انحراف بني إسرائيل بعد موسى وشياع الفاحشة بينهم تحدت الانحراف فحافظت على عفتها وطهارتها «وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا». ولا ريب في أن الأرحام المحصنة والفروج العفيفة والحجور الطيبة الطاهرة ستكون منطلق الأجيال الصالحة، وموضع تجلي روح الله «فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا». وبرزت عظمة مريم عليها السلام في تصديقها بكلمات الله وكتبه، ولعل كلمات الله هي أنبياؤه كعيسى بن مريم، لأن الأنبياء لسانه في خلقه وينطقون بوحيه وكلماته، أو هي البصائر الإلهية البارزة التي من الصعب التصديق بها، أما الكتب فهي الرسالات. ولقد جعلت مريم نفسها مصداقا للحق الذي جاء به الأنبياء وانطوت عليه كتب الله «وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ» والقانتون هم المثابرون بالدعاء إلى الله المسلمون له مما يؤكد روحانيتها وتبتلها الدائم. ونستوحي من الآية تأكيدا للروايات التي قالت بأنها تكون من زوجات رسولنا الأكرم صلى الله عليه واله في الآخرة حيث وعده الله فيما وعده بالزوجات القانتات التي هي منهن. وقد
[١] من لا يحضره الفقيه: ج ١، ص ١٣٩.