من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٦ - لم تحرم ما أحل الله لك
المادية كالمسافة، والنسب إنما بنوع العمل، وانتماء هاتين الزوجتين كان إلى جبهة الكفار في الدنيا وأهل النار في الآخرة لتجانس الأعمال، لذلك لم يغنِ عنهما نوح ولوط شيئا.
«وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ» وقد اعتبر الله هاتين المرأتين مثلا للذين كفروا لأنهما كان يفترض أن تكونا قمة في الإيمان حيث كانتا تحت عبدين صالحين من الأنبياء، إلا أنهما اختارتا الكفر بدل الإيمان رغم الظروف المساعدة، وهذا المثل يهدينا إلى أن سعي المؤمنين لوقاية أهليهم من النار ليس بالضرورة أن يؤدي إلى نتيجة إيجابية، وأنه من الخطأ تقييم أحد كالأنبياء من خلال زوجاتهم ومن حولهم، إنما التقييم السليم يكون عبر أعمالهم ورسالتهم.
ولنا في الآية وقفة عند كلمة الخيانة فهي- كما أعتقد- خيانة بالمقياس الرسالي أي خيانة لحركة الرسول ومبادئه، وليس كما قد يتقول البعض لما فيه من عقد جنسية أو لاعتماده على الإسرائيليات إنها خيانة أخلاقية، كلا .. إنها خيانة في رسالة النبي بدليلين
الأول: بدلالة السياق، فقد وقع الحديث عن الخيانة في سياق الحديث عن إفشاء السر من قبل زوجات النبي، وحينما تكلم عن زوجتي نوح ولوط ضربهما مثلا للجبهة المضادة للحق «لِلَّذِينَ كَفَرُوا»، ولو كانت الخيانة جنسية لضربهم مثلا للذين فسدوا.
الثاني: لأن تفسير الخيانة هنا بالخيانة الزوجية ليس يمس زوجات الأنبياء وحسب بل يمس الأنبياء أنفسهم ويصور بيوتهم محلا للفاحشة، حاشا الأنبياء عليهم السلام.
(١١- ١٢) ويضرب الله مثلا معاكسا للذين آمنوا، أحدهما من بيت فرعون الطاغية، والآخر من بيئة بني إسرائيل المنحرفة مريم بنت عمران. «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ» التي آمنت بنبي الله، وتحدت إغراءات السلطة وضغوط الطاغية زوجها في سبيل الله، رغم تضافر العوامل المادية التي يعتبرها البعض من الحتميات، حيث كان فرعون زوجها وكانت في الوقت ذاته من رعاياه. كانت تنتمي إلى بني إسرائيل الطبقة المستضعفة والمعدمة في حين كان فرعون قائد المستكبرين والمترفين، وكانت مصالحها المادية مؤمَّنة عند فرعون، فما الذي جعلها تتحداه وتواجه جبروته وسلطانه؟! إنه الإيمان الذي جعلها تتحدى كل الظروف لتكون مثلا رفيعا يقتدي به المؤمنون عبر التاريخ، وجبلا لا تتأثر بإغراء ولا بإرهاب أو تضليل. «إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ» وهنا إشارتان لطيفتان نستوحيهما من الآية
الأولى: أن أعظم سبب للانحراف كانت تواجهه آسية هو غرور السلطان والملك، فلقد كانت زوجة لأعظم الملوك الذين عرفهم تاريخ البشرية، إلا أنها انتصرت على قمة تحدي الدنيا