من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٥ - لم تحرم ما أحل الله لك
وبالتالي السعي للكمال، أمر النبي صلى الله عليه واله بجهاد الكفار والمنافقين بوصفه ضرورة لتهيئة الظروف والأسباب من أجل الوقاية والتوبة والكمال، وذلك أن كثيرا من أسباب الانحراف والنقص التي يتعرض لها المؤمنون تأتي نتيجة تحرك الكفار من الخارج والمنافقين من الداخل ضد الحق وأتباعه، فلا بد إذن من مواجهة بؤرة الفساد هذه والقضاء عليها بالجهاد لتكون الظروف ملائمة لبناء المجتمع النموذجي (المتقي، والتائب، والتام). لذلك جاء الأمر للنبي صلى الله عليه واله بمواجهة الكفار والمنافقين «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» أي جهادا لا هوادة فيه، باعتبار أن القائد الرسالي ليس مسؤولا عن أسرته وحسب بل هو في المجتمع كالأب مسؤول أن يقي نفسه ويقي المجتمع من النار والضلال، فلا بد أن يعمد إلى اجتثاث بؤر الانحراف عنه ومما حوله مهما كان ذلك الكافر أو هذا المنافق بعيدا أو قريبا. «وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ففي الدنيا يلقون جزاءهم بمجاهدة المؤمنين لهم، وفي الآخرة الجزاء الأوفى حيث الخلود في أسوأ ما يصير إليه مخلوق من عاقبة.
[١٠] وبمناسبة الحديث عن زوجات الرسول الذي يحدد لنا سياق هذه السورة الموقف السليم منهن تأتي الآيات الثلاث الأخيرة لتؤكد حقيقة هامة يجب الالتفات إليها في تقييم الناس، وهي أن قيمة كل إنسان بأعماله ومواقفه هو صالحةً أو فاسدةً، بغض النظر عمن حوله ومن ينتمي إليه. إذن لا يصح أن نفسر التاريخ والقرآن والمواقف تفسيرا تبريريًّا توفيقيًّا عند الحديث عن أخطاء أقرباء الأنبياء نسبا أو مصاهرة أو أزواجاً، وأيضاً صحابة النبي صلى الله عليه واله. لأن ذلك يجعلنا في غموض، فقد يكون أقرب الناس إلى نبي من الأنبياء مثلا للكفار كزوجتي نوح ولوط عليهما السلام، في حين يصبح أقرب الناس إلى
بؤر الانحراف أمثال فرعون والبيئات الفاسدة مثلا للمؤمنين كآسية بنت مزاحم ومريم بنة عمران، دون أن يكون في ذلك إساءة إلى الأنبياء والصالحين ولا إحسان إلى المنحرفين الذين ينتمي إليهم كلا المثلين.
«ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً» لأن الشفيع الحقيقي للإنسان عمله الصالح لا القرابات ولو كانت من الأنبياء والأولياء، وأعمالهما كانت سيئة لما انطوت عليه من خيانة لزوجيهما بإذاعة السر والتظاهر لجبهة الكفر [١] وخيانة للرسالة والقيم التي جاءا بهما، فما نفعتهما القرابات وما بقي لهما شيء يتميزان به عن الناس، فالقرابة وحدها ليست ذات قيمة عند الله إنما العمل، بل إن انتماء الإنسان إلى أي شخص أو أية جبهة لا يقاس بالحسابات
[١] في مجمع البيان ج ١٠، ص ٤٠٤: قال ابن عباس: (
كانت امرأة نوح كافرة تقول للناس: إنه مجنون، وإذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه]
. وأيضاً في: بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣٠٧.