من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٣ - لم تحرم ما أحل الله لك
كلا .. إنها لا تفيده هنالك في الآخرة شيئا «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» ومادام جزاء الآخرة هو عمل الإنسان في الدنيا ذاته فلا معنى للعذر إذن، وكيف يتخلص الإنسان مما هو جزء ذاته؟ وفي الآية إيحاء بأن عدم استعداد الكفار للآخرة ولقاء الله نتيجة طبيعية لكفرهم بها.
[٨] وينبغي أن تكون هذه التذكرة باعثا نحو المبادرة إلى التوبة في الدنيا قبل فوات الأوان، توبة صادقة كأروع ما تكون التوبة، فإن ذلك وحده الاعتذار الذي يقبله الله «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً» بالندم على ما فات، والعزم على ترك الذنب، وإصلاح آثاره السلبية نفسية واجتماعية واقتصادية و ..، والاجتهاد في الصالحات، هكذا سأل أحمد بن هلال الإمام الهادي عليه السلام
عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ مَا هِيَ؟ فَكَتَبَ عليه السلام: أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ كَالظَّاهِرِ وأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ]
[١]، وقال الإمام الصادق عليه السلام
هُوَ صَوْمُ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ والخَمِيسِ والجُمُعَةِ]
[٢]، لأن العمل الصالح جزء من التوبة، وقال الإمام أبو الحسن عليه السلام
يَتُوبُ الْعَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ]
[٣]، وقال رسول الله صلى الله عليه واله عن التوبة النصوح
أَنْ يَتُوبَ التَائِبُ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ فِي ذَنْبٍ كَمَا لَا يَعُودَ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْع] [٤].
وهذه التوبة هي التي يقبلها الله فيعفو عن سيئات الإنسان بها ويدخله جنات النعيم يوم القيامة «عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ» حقًّا: إن التائب عن صدق يُرجى له أن تتحول ذنوبه من عقدة
سيئة تعيق مسيرته نحو التكامل إلى دافع قوي نحو الخير والفضيلة، كما أن الله سبحانه يمحو من ديوانه السيئات فلا يطلع عليها أحدا حتى أقرب المقربين إليه، قال معاوية بن وهب: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ
إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ الله فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ،
فَقُلْتُ وكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ عليه السلام
يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ، ويُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، ويُوحِي إِلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ اكْتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَلْقَى الله حِينَ يَلْقَاهُ ولَيْسَ شَيْءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ]
[٥]، فلا يبقى سبب يدخل به النار، وفوق هذا كله يدخله إلى رضوانه ونعيمه في الجنان «وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ» وتأكيد الله على الجنات يزرع في الإنسان المؤمن إرادة التحدي للشهوات ولزخارف الدنيا الزائلة حيث يتطلع إلى النعيم الأعظم كمًّا ونوعًا في الآخرة.
[١] وسائل الشيعة: ج ١٦، ص ٧٦.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١٦، ص ٧٨.
[٣] الكافي: ج ٢، ص ٤٣٢.
[٤] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٦٢.
[٥] الكافي: ج ٢، ص ٤٣٠.