من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٠ - لم تحرم ما أحل الله لك
بوصفه نبيًا وقائدًا للأمة.
«وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً» قيل: إنه تحريم مارية على نفسه، وقيل: إنه تحدث عن التيارات السياسية والاجتماعية التي كانت في الأمة، وعن مستقبل السلطة السياسية فيها، وهو الأقرب والأهم، لأن تحريم مارية لم يكن في الخفاء، ولا يحتاج الكلام عن إفشاء هكذا حديث إلى التأكيد على مظاهرة الله والملائكة وصالح المؤمنين للنبي.
«فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ» قيل: إن كلًّا من حفصة وعائشة أخبرتا أبواهما بالأمر، إما بسبب العلاقات العاطفية المتينة بين البنت وأبيها، أو لحب التظاهر بالحظوة عند الرسول، وهذان الأمران من أوسع الأبواب التي تخرج منها أسرار الإنسان إلى الآخرين. وإذا كان الإنباء بأسرار النبي يتم بعيدا عن سمعه ونظره فإنه لن يكون بعيدا عن رقابة الله الذي أخبر رسوله بالأمر «وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» أي كشف له أن هذه الزوجة لم تصن سره. «عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ» مما يفصح عن معدن الرسول صلى الله عليه واله حيث الأخلاق والحكمة، فهو لم يعاتبها على كل شيء بل أظهر جانبا من أمرها وكأنه يجهل الجوانب الأخرى، ولعل ما أعرض عن ذكره كان يتسبب لو ذكره في حرج عظيم لها، وآثار سلبية لا تحمد عقباها، وذلك غاية في الحكمة لكل زوج في أسرته، ولكل قائد تجاه أمته. «فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا» ولعلها حينئذ كانت مرتابة في أن من أطلعته على السر هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه واله وغاب عن بالها وإيمانها أنه متصل بالوحي ومؤيد من عند الله سبحانه، فأجابها صلى الله عليه واله «قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ» الذي يحيط بكل شيء. وموقف الرسول صلى الله عليه واله تجاه زوجته التي أذاعت سره ينبغي أن يدرسه كل زوج قائد، ويتخذه منهجا في أمثال تلك المواقف وظروفها.
[٤] ويؤكد القرآن أن ما حدث من اثنتين من نسائه كان زيغا عن الحق وميلا إلى الباطل، وأنه بالتالي يحتاج إلى الإصلاح والتوبة «إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا» أي أنكما تحتاجان إلى غسل دَرَن الانحراف، وإصلاح الخطأ بالتوبة إلى الله والاعتذار من الرسول صلى الله عليه واله لأن قلوبكما قد
صغت أي مالت، وأصغى سمعه لفلان أي مال به إلى كلامه. وتأكيد الله على انحراف القلب يبين أن ما حدث لم يكن خطأ عابرا، إنما هو انحراف له جذور تمتد إلى أعماق القلب. بلى، إن كشف أسرار النبي ليس إلا علامة على انحراف داخلي في الجذور، وهكذا الكثير من مواقف وسلوكيات الإنسان الخاطئة. إنها مرة تكون سطحية وأخرى جذرية.
ويحذر الله الاثنتين من أنهما لو رفضتا التوبة وتمادتا في التظاهر ضد الرسول صلى الله عليه واله فإن العاقبة ستكون للخط الرسالي السليم لأنه مدعوم بقوة لا تقهر «وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» أي خيرتهم وأفضلهم، وأفضل كل المؤمنين هو الإمام علي عليه السلام