من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - لم تحرم ما أحل الله لك
فلانة عليَّ حرام دون يمين فلا هي تحرم عليه ولا تجب عليه الكفارة بخرقه لكلامه وقراره، بل لا يكون إيلاء إلا باليمين ولمدة أربعة أشهر، فعن أبي جعفر عليه السلام قال
لَا يَكُونُ إِيلَاءً حَتَّى يَحْلِفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ]
[١] أي بهذين الشرطين، والذي يظهر من النصوص أن ما كان من رسول الله تحريم بيمين وليس إيلاء، لأن مارية جارية لا إيلاء فيها، فعن أبي نصر عن الإمام الرضا عليه السلام قال
سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُؤْلِي مِنْ أَمَتِهِ فَقَالَ لَا كَيْفَ يُؤْلِي ولَيْسَ لَهَا طَلَاقٌ]
[٢] إلا أن يكون النبي صلى الله عليه واله كما قال بعض المفسرين: قد حلف بأن لا يقارب أزواجه جميعا بعد تحذير الله له من تحريم ما أحل له ابتغاء مرضاتهم، والله أعلم.
ولكي يتحلل الرجل من الأيمان بالإيلاء أو مجردة فرض الله كفارة مخرجًا وعقوبةً حتى لا يعود لها مرة أخرى، وهي في صالحه، وهذا يدل عليه قوله سبحانه «لَكُمْ» بالرغم من أن البعض يراها كلفة وغرامة لله عليه، فهي تزكي النفس، وتوقف الغضب عند حده. وكفارة نقض اليمين واجبة فرضها الله، إلا أن العود إلى ما كان قد حرمه بها ليس متعلقا بأدائها، فلا تتكرر الكفارة بتكرار العود قبل أدائها كما هو في الظهار، إنما تجب مرة واحدة لكل يمين، ومقدارها إطعام عشرة مساكين، فعن أبي حمزة الثمالي قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام عَمَّنْ قَالَ والله ثُمَّ لَمْ يَفِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام
كَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ] [٣].
ويأتي هذا الفرض من موقع الولاية الإلهية على المؤمنين «وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ» فالذي يفرضه هو الواجب، ولا يجوز للمؤمنين أن يأخذوا تشريعاتهم من مصدر سواه، لأنه حيث يشرع أهل لذلك، لإحاطته علما بكل شيء، ولأنه لا يضع حكما إلا لحكمة بالغة «وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ». وإيمان الإنسان بهاتين الصفتين لله يبعث فيه روح التسليم والرضا بكل ما يفرضه عليه حيث يشعر بفطرته وعقله أنه يتلقى
تشريعاته من لدن عليم حكيم، بل إن ذلك يجعله لا يؤمن إلا بما يتنزل من عنده، أما ما يضعه البشر من النظم والأحكام فإنها لا تدعو إلى الاطمئنان بها، لأن واضعها محدود العلم والحكمة.
[٣] ويكشف لنا الوحي بعد الكلام عن حادث التحريم الذي جاء نتيجة ضغوط بعض أزواج النبي عن صورة أخرى سلبية من تعاملهن معه صلى الله عليه واله حيث يفشين أسراره إلى الآخرين. الأمر الذي ينطوي على خيانتين: خيانة له بوصفه زوجًا فالزوجة المخلصة يجب أن تكون مستودع سر زوجها ولا يليق بها إشاعته لأحد مهما كانت قرابته ومكانته، وخيانة له
[١] وسائل الشيعة: ج ٢٢، ص ٣٤٥.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٢٢، ص ٣٤٦.
[٣] وسائل الشيعة: ج ٢٢، ص ٣٨٩.