من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - لم تحرم ما أحل الله لك
ولو كان الرسول بتحريمه مشرِّعا لجاء التعبير (لا تحرم) بالنهي، لأنه لا مشرع إلا الله ولا يجوز لأحد مهما كان أن يشرع من دونه.
فعن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال
سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَقَالَ لِي عليه السلام: لَوْ كَانَ لِي عَلَيْهِ سُلْطَانٌ لَأَوْجَعْتُ رَأْسَهُ وقُلْتُ لَهُ: الله أَحَلَّهَا لَكَ فَمَا حَرَّمَهَا عَلَيْكَ إِنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ كَذَبَ فَزَعَمَ أَنَّ مَا أَحَلَّ الله لَهُ حَرَامٌ ولَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ ولَا كَفَّارَةٌ]
[١]، ولم يحرم الرسول مشرَّعًا، إنما امتنع عن مقاربة مارية القبطية لغاية هي إرضاء زوجاته اللاتي أثارتهن الغيرة، وبعبارة درءاً للفتنة. «تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ»، وفي الآية تحذير للرسول ولكل قائد ألَّا يتأثر بأحد ولو كان أقرب الناس إليه، لأن الضغوط التي يوجهها المقربون للقيادة ليست بالضرورة آتية من دوافع داخلية وإن كانت تتلبس بهذا الثوب، إنما تنتقل عادة إلى بيت القائد من أبعد نقطة، ولكن عبر حلقات متواصلة حتى تبلغ القائد، وبالخصوص في هذا العصر الذي تستهدف الدوائر الاستكبارية فيه محاربة القيادات الدينية والقضاء على الدين. فليس من شك في أن أعداء الأمة وشبكات الأحزاب الفاسدة تسعى للتأثير في القيادات الدينية عبر وسائط عديدة، وأنها قد تؤثر حتى في مواقف بعض القيادات وآرائها وفتاواها، فكيف ينبغي أن يتعامل القائد مع مجاميع الضغط هذه فينفي تأثيراتها السلبية؟.
إن للقائد صفتين: إنسانية وقيادية، وعليه أن يحافظ على توازن حكيم، ففي الوقت الذي يتعامل مع زوجته وأولاده وذوي قرباه بصفته الإنسانية وبكامل عواطفه وأحاسيسه عليه ألَّا يسمح لذوي النفوذ أن يؤثروا فيه من خلالها وفي مركزه القيادي، وهذا ما يشير إليه القرآن في آية التحريم. «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» وينبغي للقائد أن يتحلى بهاتين الصفتين أيضا، ففي الوقت الذي لا يتأثر بضغوط الزوجات لا ينال أذاهن من حلمه وسعة صدره بل يغفر لهن ويرحمهن تخلقا بصفات الله وطمعا في غفرانه ورحمته.
[٢] ومن مظاهر غفرانه ورحمته عز وجل أن جعل للمؤمنين مخرجا يتحللون به من اليمين وآثاره المادية والمعنوية بالكفارة، ولو كان الله يجعل تحريم الإنسان على نفسه تشريعا لوقع الكثير من الناس في
العسر ولتفككت الكثير من الأسر، حيث تدعوهم الضغوط وحالات الغضب إلى التحريم باليمين في أحيان كثيرة «قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ» قال الإمام أبو جعفر عليه السلام
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِ جَارِيَتَهُ مَارِيَةَ وحَلَفَ أَلَّا يَقْرَبَهَا فَإِنَّمَا جَعَلَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فِي الْحَلْفِ ولَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيمِ]
[٢]، وهذا واضح في الآية «تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ»، فلو قال أحد
[١] الكافي: ج ٦، ص ١٣٤.
[٢] المصدر السابق: ص ١٣٥.