من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٧ - لم تحرم ما أحل الله لك
مَارِيَةَ فَعَلِمَتْ حَفْصَةُ بِذَلِكَ فَغَضِبَتْ. وَأَقْبَلَتْ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَقَالَتْ يَا رَسُولَ الله هَذَا فِي يَوْمِي وَفِي دَارِي وَعَلَى فِرَاشِي فَاسْتَحْيَا رَسُولُ الله صلى الله عليه واله مِنْهَا فَقَالَ
كُفِّي فَقَدْ حَرَّمْتُ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِي]
[١]، وعلى رواية الإمام الصادق عليه السلام أنه قال
وَاللهِ مَا أَقْرَبُهَا]
[٢]، وتكشف لنا هذه الحادثة التي ذكرها الرواة عن جانب من حياة الرسول مع زوجاته ببيان حقائق ثلاث
الأولى: ما عليه الرسول صلى الله عليه واله من عظيم الأخلاق، إذ كان يتنازل عن حقوقه الشخصية شريطة ألَّا تتعارض من الناحية الشرعية مع حقوق الآخرين، مع ما في ذلك من الحرمان والمشقة ليعيش الآخرون في راحة، فهو بأبي ونفسي كما وصف أمير المؤمنين عليه السلام
نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ والنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ فَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ]
[٣]، وذلك مما يليق بمقام النبوة.
الثانية: أن بعض زوجات النبي- وبالذات المعنيتين بمطلع سورة التحريم- كن يمارسن ضغوطا عليه لأغراض لا مبرر لها، بل تتعارض الاستجابة لها عمليًّا مع أحكام الدين فتصيِّر الحلال حراما.
الثالثة: وهكذا كان الرسول وحده الأسوة للمؤمنين، أما من حوله فليسوا موضع تأسٍ إلا بمقدار تجسيدهم للحق في حياتهم واقتدائهم بشخص الرسول، وهكذا بالنسبة إلى كل رسول وكل قائد رسالي إنه وحده المقياس أما من حوله فقد يكونون أبعد الناس عن مثاله ومنهجه، ألم يكن ابن نوح من الهالكين؟ أَوَلم تدخل زوجة نوح وزوجة لوط النار مع الداخلين؟ وهكذا ينبغي أن ندرس التاريخ في ضوء هذه الآية من جديد.
أما كيف تدخَّل الوحي في حادث التحريم وعالجه؟ فهذا ما يجيب عنه السياق حيث يؤكد على أن تحريم النبي لما قد حرمه على نفسه (مقاربة مارية، أو لعق العسل، أو مقاربة كل نسائه) مما هو حلال في الأصل لم يكن تشريعا إلهيًّا تنزل به الوحي ليكون حكما جاريا إنما هو مبادرة شخصية في حدود الحقوق
الشرعية اختارها النبي لنفسه، لحكمة بالغة تمثلت في ابتغاء مرضاة الأزواج، ولهذا جاء الخطاب بقوله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ» وربما لم يخاطبه الجليل بصفته رسولا يبلغ أحكام الله ورسالته بل بصفته نبيًّا لكيلا يعد إيلاؤه جزءا من الرسالة.
«لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ» إن التحريم هنا بمعنى الامتناع الشخصي وليس بمعنى التشريع، قال الله تعالى في شأن موسى عليه السلام «* وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ» [القصص: ١٢]،
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٧٥.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٢٣٩.
[٣] نهج البلاغة: خطبة: ١٩٣.