من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٢ - فاتقوا الله يا أولي الألباب
جعفر عليه السلام قال
الحَامِلُ أَجَلُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، وعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا]
[١]، ولو أنها أرضعت وليدها بعدئذ فلها الحق أن تتقاضى أجرا على الإرضاع، لأنه من الناحية الشرعية ليس واجبا على الأم بشكل عام حتى المطلقة التي تنتهي عدتها وقيمومة الرجل عليها بعد الوضع، فالحليب ملكها وإن كان من الناحية التكوينية يتكون مع الحمل وبسببه. والعلم الحديث يقر هذه الحقيقة، وعلى أساسه دعت التشريعات الحديثة إلى تخصيصات للمرأة أثناء الرضاعة، وبعض البلدان تشرف على طعام المرأة المرضع والحامل، وتدعو إلى الاهتمام بطعامها في هاتين الفترتين.
«فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» في مقابل الرضاعة. أما السكنى والنفقة فليسا واجبين على الزوج بعد الوضع. و لا يحق للزوج أن يلزم زوجته- وبالذات المطلقة- بالرضاعة. بلى، يجوز التفاهم في هذه المسألة بين الطرفين بعيدا عن أي لون من الضغوط والسبل الملتوية، بل بالحق. «وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ» أي ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف بالتشاور والتحاور، ولا بد أن يتم ذلك في إطار صحيح لا يتنكر له العقلاء «مَعْرُوفٍ» حتى يستقر الائتمار على رأي يرضاه الطرفان. أما إذا حدث الاختلاف فإن الحق للأم تقبل الرضاعة أو ترفضها لتكون المرضعة غيرها «وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى»، ولا يجوز للأب أن يجبر أم ولده على رضاعته حلًّا للتعاسر، لأن ولاية الرجال على النساء لا تمتد إلى هذه الحدود في الظروف الطبيعية فكيف بعد الطلاق؟! ونهتدي من خاتمة الآية إلى أن للحاكم الشرعي أن يلزم الأم بالرضاعة لو توقفت حياة الولد عليها، فيكون الزوج حينئذ ملزما بإعطاء أجرة المثل.
[٧] ويعود القرآن لبيان المقياس الذي ينبغي أن يكون ميزانا فيصلا بين الطرفين في مقدار النفقة، ولكن الوحي لا يحدد دينارا ولا درهما بل يضع قيمة تصلح لكل زمان ومكان واحد لأنه لم ينزل لأمة دون أخرى، ولا لجيل دون جيل. من هنا يطرح المقاييس الفطرية العامة بوضوح كاف لينطبق على كل عصر، فما هو المقياس الذي يحدد كيف وكم تكون النفقة؟ إنه استطاعة الزوج المادية الممكنة، وليست صفاته، فلو كان غنيًّا بخيلا فإنه لا يجوز منه التقتير على زوجته المطلقة بالذات حيث تجب عليه نفقتها، بل
عليه التوسيع عليها، كما لا يجوز للزوج ولا للحاكم أن يفرض عليه التوسيع في النفقة لو كان مقترا فقيرا «لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» أي بعضها وبنسبتها، فليس مطالبا ببذل كل ما يملك، إنما الواجب أن يفيض عليها من غناه بحيث يوسع عليها. «وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ» وكان فقيرا «نفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا» فتشريعه عز وجل تشريع واقعي عملي، وحاشا له أن يكلف أحدا ما لا يطيق، وهذه
[١] الكافي: ج ٦، ص ١٠٣.