من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٦ - ومن يتق الله يجعل له مخرجا
الآية تواجه الوسوسة الشيطانية التي تجعل البعض يزعم أن الرزق لا يتأتى إلا عبر الحرام، لذلك يجد مثلا انفصاله عن دوائر الأنظمة ومؤسساتها أمرا لا يطاق، في حين أنَّا لو توكلنا على الله فسوف نجده عند حسن ظننا به «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» أي الذي يكفيه، ولا ينبغي للمؤمن أبدا أن يشك في قدرة الله على تحقيق ما يعد به، مهما كانت الظروف صعبة ومعاكسة كما يبدو للإنسان فإن إرادته تعالى فوق كل شيء «إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ». بلى، نحن البشر تثنينا الأسباب، وتحول بيننا وبين ما نريد العقبات والموانع، لأن إرادتنا محدودة، أما الله فإن إرادته مطلقة. ولكنه تعالى أبى أن يُجري الأمور إلا بحكمة وموازين «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» على الإطلاق، فليس من شيء خارج على هذا القانون الإلهي العام، وكما تحكم المقاييس الظاهرية (الحجم والوزن والكثافة واللون والأجل) وجود كل شيء ومن ذلك المشاكل فإن هناك سننا وقوانين معنوية تحكمه أيضا، فلا يمكن للإنسان أن يجد رزقا حلالا من غير سعي مادي أو معنوي. ووعد الله برزق من يتقيه ويتوكل عليه أمر من أموره وهو لا ريب بالغه، ولكنه جعل لذلك موازين وضوابط «قَدْراً» ينبغي للإنسان معرفتها وحل مشاكله من خلالها، ويجب عليه السعي في الحياة لتحقيق أهدافه وتطلعاته ومقاصده انطلاقا من الإيمان بهذه الحقيقة في تدبير الله لشؤون خلقه. من هنا جاء في تفسير هذه الآية: أن الإمام الصادقعليه السلام سأل بعض أصحابه
مَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ؟.
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وتَرَكَ التِّجَارَةَ. فَقَالَ عليه السلام
وَيْحَهُ أَمَا عَلِمَ أَنَّ تَارِكَ الطَّلَبِ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ دَعْوَةٌ، إِنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله لَمَّا نَزَلَتْ
«وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»
أَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ وأَقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ، وقَالُوا: قَدْ كُفِينَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ صلى الله عليه واله: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ؟.
قَالُوا: يَا رَسُولَ الله تَكَفَّلَ الله عَزَّ وجَلَّ بِأَرْزَاقِنَا فَأَقْبَلْنَا عَلَى الْعِبَادَةِ، فَقَالَ صلى الله عليه واله: إِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَجِبِ الله لَهُ. عَلَيْكُمْ بِالطَّلَبِ] [١].
[٤- ٥] وكما تتجلى هذه الحقيقة في عالم التكوين الطبيعية (الاقتصاد والفيزياء وما أشبه)، فإنها تطبع آثارها في عالم التشريع أيضا، حيث فرض الله عدة معينة بوصفها حقًّا من حقوق المرأة وواجبًا من واجبات الرجل بعد الطلاق. وبالطبع إن هناك حكمة ليست للاعتداد ذاته وحسب، بل لاختلاف العدة من امرأة إلى أخرى كذلك، قد تتكشف للإنسان في مفردات العدة بالتفكير العميق. «وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ» في كونهن هل يئسن أم لا. هن في سن أمثالهن تحيض، لذا تنشأ الريبة «فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ» بناء على الأصل
[١] الكافي: ج ٥، ص ٨٤.