من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٥ - ومن يتق الله يجعل له مخرجا
أهله وعياله، فإن الإسلام يسعى ألَّا يكون مبررا للطلاق، وذلك من خلال تنمية روح الأمل بالله والتوكل عليه في روعه بأنه يضمن له رزقه، وهذه الأفكار والمنهجية ترتكز على قيمة أساسية في الإسلام هي إيمانه بضرورة دفع الإنسان باتجاه المزيد من تحمل المسؤولية وليس تبرير التهرب منها «وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» أي أن هناك آفاقا للرزق لا يتوقعها الإنسان لمحدودية علمه وإحاطته يفتحها الله له، وخير شاهد على ذلك ما يكتشفه العلم الحديث من الوسائل والآفاق الجديدة للتنمية والاستثمار والاقتصاد والتي ما كانت تخطر على بال أحد من قبل، جاء في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام في رسالته إلى بعض أصحابه
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله فَإِنَّ الله قَدْ ضَمِنَ لِمَنِ اتَّقَاهُ أَنْ يُحَوِّلَهُ عَمَّا يَكْرَهُ إِلَى مَا يُحِبُّ ويَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَخَافُ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ويَأْمَنُ الْعُقُوبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ]
[١]. وقال عليه السلام
إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ أَرْزَاقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، وذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ وَجْهَ رِزْقِهِ كَثُرَ دُعَاؤُهُ]
[٢]. و قال- في حديث آخر يفسر هذه الكلمة-
يُبَارِك لَهُ فِيمَا آتَاه] [٣].
والإيمان بهذه الحقيقة يقشع عن عقل الإنسان وروحه سحب اليأس ويفك أغلاله، ويدعوه إلى المزيد من البحث والسعي طلبا لتلك الآفاق. وما دام ربنا يرزقنا من حيث لا نحتسب فبالأولى أن يأتينا رزقه من حيث نتوقع حيث نعمل ونسعى ونتبع سبله، ومن المعروف: أن مالتوس [٤] كان قد حذَّر العالم قبل قرن من نقص هائل في الموارد الغذائية في هذا القرن، واتَّبعه الكثير من الكتاب والمؤسسات الدراسية، في وقت فتح الله آفاقا جديدة في حقل التقدم العلمي وتنمية الموارد الغذائية التي تضاعفت خلال القرن الحاضر .. وتبشر الدراسات بأنها ستتضاعف في المستقبل. إن آفاق التقدم لا تحد، وإن قدرات الإنسان على التكامل عبرها لا تحصى، وإنما اليأس وسائر الأغلال والإصر تقيد البشر من الانبعاث، ولو عرف الإنسان قيمة التوكل على الله فاتقى ربه لرزقه الله من حيث لا يحتسب.
ولا ريب أن الآية لا تدعونا إلى الكسل والجلوس في البيت على أمل نزول رزق الله بالمعجزة، كلا .. بل ينبغي النظر لمعناها والتدبر فيها ضمن الأصول العامة التي جاء بها الإسلام والموجودة في الآيات
الأخرى، كأصل السعي والعمل والكدح، بل الآية نفسها تشير إلى ذلك في الخاتمة وتدعو إلى نفض غبار اليأس والقنوط، والانبعاث بروح الأمل والتوكل. كذلك
[١] الكافي: ج ٨، ص ٤٩.
[٢] الكافي: ج ٥، ص ٨٤.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦٧، ص ٢٨١.
[٤] توماس مالتوس: الاقتصادي البريطاني المتشائم (ت: ١٨٣٤ م).