من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - ومن يتق الله يجعل له مخرجا
وإذا انقضت العدة هنالك لا يسمح له بأن يذرها كالمعلقة انتقاما كما يفعل أهل الجاهلية الذين لا يؤمنون بحد ولا قيمة في العلاقة الزوجية سوى الهوى والشهوة، كلا .. إنه مخيَّر بين أمرين لا ثالث لهما، فإما أن يرجع إلى العلاقة الطبيعية مع أهله والتي شعارها المعروف (الحب والاحترام والعقلانية)، وأما الفراق والانفصال بالمعروف (بعيدا عن التشفي والأذى وسوء الخلق). ويقدم القرآن خيار الرجوع ترجيحا له على الفراق لأن الله يريد خير الأسرة والمجتمع والحفاظ على كيانهما بالحفاظ على تماسكهما من خلال العلاقات الوطيدة التي منها العلاقات الزوجية «فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ». واستخدام القرآن تعبير «فَأَمْسِكُوهُنَّ» يؤكد على أن الطلاق في الإسلام قبل انتهاء العدة لا يعني إنهاء العلاقة الزوجية وطرد الزوجة من أسرتها، إنما يبقى كل شيء على طبيعته، فالزوج لا يزال زوجها والقائم عليها (ممسك بها) إلا أن يختار الفراق فهنالك تتغير الأمور، فتطلق من زوجها بالمفهوم العرفي.
«وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ» على الطلاق إذا كان هو الخيار لا الرجعة، لأنها لا تحتاج إلى شهود بل يكفي التصريح بإرادتها أو مقاربة الزوجة، فقد جاء في كتاب الكافي قال الإمام أبو الحسن موسى الكاظم عليه السلام
إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أَمَرَ فِي كِتَابِهِ بِالطَّلَاقِ وأَكَّدَ فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ ولَمْ يَرْضَ بِهِمَا إِلَّا عَدْلَيْنِ]
[١]، وأهمية الشهود في الطلاق لأمور، منها وضع النقاط على الحروف في الإرث وفي حرية المرأة بعد فراق زوجها. فلولا الشهود لكانت المطلقة تدَّعي في الإرث ما ليس لها، ولكان الرجل يمنع مطلقته من الزواج بادعاء أنها لا تزال في عصمته مثلا. ولكن الشهادة العظمى التي يجب على المؤمن اعتبارها وإقامتها هي الشهادة لله «وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ»، ولا تقوم الشهادة لله إلا بشروطها التي تتوافر عند المتقين الذين يؤمنون بالغيب، لأن الله لا يحضر عند العيون والأسماع إنما يحضر عند القلوب المؤمنة به عز وجل. وكذلك الآخرة ليست شيئا محسوسا في الدنيا إنما يؤمن بها المؤمنون بالغيب «ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ» أي يؤمن بعلم الله بالحقائق كما تكون، ويؤمن بالجزاء بعد البعث على كل خير وشر، وشهادة الله لمن يؤمن بذلك أعظم واعظ له عن مخالفة أمره وحدوده علنا أو بما يسمى بالحيل الشرعية.
وقد أورد الدكتور بدران أبو العينين أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعتي الإسكندرية وبيروت العربية بحثا حول الشهادة على الطلاق ودورها في تقليل نسبة الطلاق، هذا نصّه من كتابه: (الفقه المقارن للأحوال الشخصية): ذهب أكثر الفقهاء على أنه لا يشترط الإشهاد على الطلاق، بل استحبوه فقط استنادا إلى أنه لم يُؤْثر عن الرسول ولا صحابة رسول
[١] الكافي: ج ٤، ص ٣٥٢.