من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨ - إنما أموالكم وأولادكم فتنة
عن الحقوق الشخصية بالسماحة وسعة الصدر لصالح الأسرة. وينبغي للمؤمن أن يسمو بنفسه إلى آفاق الحلم والسماحة تخلقا بأخلاق الله، ويتحمل بعض الإساءات من أجل جذب أسرته إلى الرسالة «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» يغفر للمتسامحين ويرحمهم، وهي أعلى درجات التسامح. وتحسس المؤمن بحاجته إلى غفران الله ورحمته لا شك يدعوه للتلطف بمن هو تحت يده وقدرته.
ونعود الآن إلى معنى الكلمات الثلاث: (العفو، الصفح، الغفران)، فالعفو هو التنازل عن حق الانتقام والمماثلة في القصاص وبالذات عند المقدرة، والصفح درجة أرفع، إذ قد يتنازل الإنسان عن حقه في الاقتصاص مثلا ولكن علاقته مع الطرف الآخر تبقى كدرة بسبب الإساءة، أما إذا صفح عنه فهو يطوي صفحة الماضي ويفتح صفحة جديدة فتعود علاقته الظاهرة به علاقة طبيعية، وليس بالضرورة أن تزول الآثار النفسية الداخلية بذلك. بلى، إذا غفر أزال حتى هذه الآثار، بل وتنازل عن طلب الانتقام من الله عز وجل. وهذه الصفات ينبغي أن يتحلى بها المؤمن تجاه أسرته والآخرين على كل حال وفي كل الظروف، وبالذات عندما يحتدم الصراع المبدئي بينه وبينهم، فإن هذا الصراع ينبغي أن يبقى في حدود المبدأ ولا يتحول إلى صراع شخصي مستمر، فإذا عادت زوجته التي كانت تمنعه من العمل في سبيل الله إلى رشدها أو اقتنع أبواه وسائر أسرته فإن عليه أن ينسى الإساءات التي صدرت منهم تجاهه، ولا يذكِّرهم بها، ولا يحمل في نفسه غضاضة، ولا يطالبهم بالغرامة، وما أشبه.
[١٥] وقد لا تبدر العداوة من قبل الأسرة تجاه المؤمن، ولكنه يفتتن بهم أو بماله، ولربما نجد البعض تحرضه زوجته أو أسرته على الجهاد ولكن تفكيره في مستقبلها بعده يمنعه من الإقدام عليه، لذلك حذرنا الله من ذلك بقوله «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ» قد ينجح المؤمن في مواجهتها وقد يفشل ولكنها كلها بالحصر ودون استثناء فتنة، أي أنها تضعه إمام مفترق طريقين: أحدهما الحق والآخر الباطل، وتثير فيه نفسه الأمارة والأخرى اللوامة، ليختار بعقله ويمشي بإرادته في أيهما شاء.
«وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» وإنما يذكِّر ربنا بهذه الحقيقة لأن الإيمان الصادق بها كفيل بأن يدفع الإنسان لتجاوز الفتنة بنجاح فيختار ما عند الله على ما في الدنيا، كما أن هذه البصيرة ترغب المؤمن ليسخِّر الأموال والأولاد في سبيل الحصول على ما عنده تعالى، وليس جعلها عقبة دون ذلك، وفرق بين الإمام الحسين عليه السلام الذي جعل أولاده وأصحابه وأهل بيته وأمواله وسيلة للتقرب من الله وبين الزبير
الذي أدخله افتتانه بولده عبد الله في حرب مع ولي الله وحزبه في موقعة الجمل، فقال عنه أمير المؤمنين عليه السلام يصف عامل الانحراف في حياته