من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٥
يوقدها الإنسان في بيته فتحرقه، أو ثمرة يغرسها في أرضه فيتمتع بثمراتها.
الثاني: الجزاء الذي يقدِّره الرب للصالحين في الجنة من فضله ويحسب الحسنة بعشرة. والآية التالية تشير إلى النوع الأول «إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً» فهذه كانت مركز رصد ومرتع الجزاء في الآخرة. إنها سنة إلهية ونظام مقدر لن يفلت منها من يكذب بها، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
ولَئِنْ أَمْهَلَ (الله) الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وهُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ وبِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ] [١].
[٢٢] والطغاة الذين يتجاوزون حدهم، ولا يتجنبون ما يقربهم إلى النار، سوف يعودون إلى النار التي صنعوها بأفعالهم «لِلْطَّاغِينَ مَآباً» ولعل كلمة مآب توحي بأنهم سبب إيقاد النار التي عادوا إليها، لأنها منزلهم الذي بنوه ووطنهم الذي اختاروه لأنفسهم.
[٢٣] كم يبقون في هذه النار؟ «لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً» جاء في روايات أهل البيت أن الآية تخص المذنبين الذين يقضون في النار فترة من الوقت بقدر ذنوبهم [٢]، وعلى هذا فمعنى الأحقاب الدهور المتتالية أو السنين المتلاحقة. وقال بعض المفسرين: معنى الآية أنهم يلبثون في النار أحقابا متتالية لا تنقطع، فكلما مضى حقب أدركهم حقب آخر. قالوا: وإنما استعاضت الآية بالأحقاب عن السنين لأنها أهول في القلوب وأدل على الخلود، وإنما كان الحقب أبعد شيء عندهم، وقالوا: الحقب ثمانون سنة. وإذا كانت السنة ثلاث مئة وخمسة وستين يوما وكان اليوم في الآخرة كألف سنة مما نعده من سني الدنيا فلك أن تتصور أيام الطغاة في جهنم! وجاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
لَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا حَتَّى يَمْكُثَ فِيهَا أَحْقَاباً وَالْحُقْبُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَالسَّنَةُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْماً كُلُّ يَوْم
«كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ»
فَلَا يَتَّكِلَنَّ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّار] [٣].
[٢٤] خلال هذه الأحقاب المتتالية والدهور المتطاولة لا يجد الطغاة هنالك سوى العذاب الذي لا يفتر عنهم أبدا «لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً» فلا يجدون طعم البرد وبرد الشراب، ولا لحظة واحدة ولا بقدر بسيط. قالوا
البرد هنا بمعنى النوم، واستشهدوا بما تقوله العرب: منع البرد البرد، أي منع النوم البرد]
[٤]، وقال بعضهم
بل هو عَامٌّ يشمل برد
[١] نهج البلاغة: خطبة: ٩٧.
[٢] روى العلامة المجلسي في البحار: ج ٨ ص ٢٩٥ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: (
سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام: عَنْ قَوْلِ الله
«لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً [٢٣] لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً [٢٤] إِلَّا حَمِيماً»
قَالَ عليه السلام
هَذِهِ فِي الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ]
. [٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٤٠، بحار الأنوار: ج ٨، ص ٢٧٦.
[٤] تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ١٨٠.