من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥ - إنما أموالكم وأولادكم فتنة
بمناهج الحق التي بلَّغها الرسول صلى الله عليه واله وفصَّلها أئمة الهدى والعلماء الصالحون. وهكذا يربط القرآن حقيقة الإيمان بالله وبالآخرة بحقيقة الإيمان بالرسول (القيادة الإلهية). ولقد مهد السياق للحديث عن طاعة القيادة بما تضمنته الآية السالفة من بيان عن المصاعب، وانطوت عليه من دعوة للتسليم لله فيها، لأن الطاعة لله واتباع القيادة الرسالية التي تنشد التغيير سوف يتسبب ذلك بلا شك في كثير من المشاكل والضغوط التي ينبغي تحديها بروح التسليم لله عز وجل، ولكنها تقضي على مشاكل أكبر بصورة جذرية. «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» ونقف هنا عند تعبير القرآن الكريم، فهو تارة يقول «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [الأنفال: ١]، وأخرى يقول «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ»، بإضافة فعل الأمر «أَطِيعُوا»، كما في هذه الآية. أوليس العطف بالواو وحده كافيا لتأدية المعنى نفسه؟.
والجواب: أن لكلا التعبيرين ظلاله الخاصة في المعنى والنفس، ولعل العطف بالواو وحدها يبين أن طاعة الرسول هي امتداد لطاعة الله، في حين أن العطف بها مع الفعل «وَأَطِيعُوا» يؤكد استحالة الفصل بين طاعة الله وطاعة القيادة الرسالية، بأن يزعم البعض بأنه يكتفي بالقرآن طاعة لله وبعدها لا داعي لطاعة أحد رسولا أو إماما أو عالما .. واللطيف أن هذا التعبير ورد في سياق سورة التغابن التي تعرضت لإشكالية الفصل بين طاعة الله وطاعة رسوله حيث قال الكفار «أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا» [الآية: ٦] محاولة للفصل بين الطاعتين. ويحذر الله من عصيانه ورسوله وتولي غيرهما إذ يقول «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» وكفى بهذه الآية تحذيرا للناس وتهديدا للكفار.
[١٣] ولما انتقد القرآن موقف الكفر والتولي من قبل الكفار تجاه رسلهم لكونهم بشر أمثالهم، وبالتالي التقليل من شأنهم وتبرير عصيانهم، أكد هنا في سياق أمره بطاعة الرسول (القائد الرباني) وانطلاقا من منهجيته المتوازنة على حقيقة التوحيد بوصفه حدًّا لتقديس الرسل والأولياء القادة، فإنه لا يجوز بحال من الأحوال اعتبارهم شركاء لله أو أنصاف آلهة، كما صنع بعض النصارى واليهود بالنسبة لعيسى وعزير عليهما السلام، فالطاعة للقيادة والعبادة لله وحده. «اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ» وقد أكد القرآن على ضرورة التوحيد والتوكل في سياق أمره بطاعته وطاعة رسوله لأن هناك سببين يدعوان الإنسان للتخلف عن الطاعة لهما
الأول: الشرك بالله سبحانه شركا مبدئيًّا باتباع الأفكار والفلسفات الضالة، أو عمليًّا بالخضوع للإرادات الأخرى من دون الله لمجاراة الشهوات والمصالح، أو اتباع الطواغيت والركوع إليهم. ولكي يسمو الإنسان إلى آفاق الطاعة والتسليم لله ولقيادة الحق يجب أولا أن