من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٠ - ويل يومئذ للمكذبين
الإنسان فضل ربه عليه وإكرامه له بعد أن كان مهينا، فإذا به وهو المخلوق الضعيف يكذب رب العزة جبار السماوات والأرض!.
ثم إنه تعالى جعل ذلك الماء المهين في رحم الأم يحفظه وينشأ فيه ناميا صفة بعد صفة ومرحلة بعد الأخرى، تحوطه وترعاه يد الغيب بما يعجز الإنسان نفسه عن إحصائه من السنن والقوانين المحكمة التي تثبته في الرحم، وتمكنه من العيش والنمو فيه، دون أن يكون للأبوين شأن في ذلك الحمل.
«فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ» في التبيان
القرار: المكان الذي يمكن أن يطول مكث الشيء فيه، ومنه قولهم: قر في المكان إذا ثبت على طول المكث فيه]
[١] واستقر. وغض أكثر المفسرين الطرف عن المكين، في حين ذكر أهل اللغة أنه: المتمكن، والمكين ذو المكانة، واستمكن استولى، وتمكَّن من الشيء قدر عليه] [٢]، وقال صاحب الميزان هذا النص
والمكين: المتمكن، وصفت به الرحم لتمكنها في حفظ النطفة من الضيعة والفساد، أو لكون النطفة مستقرة متمكنة فيها، والمعنى: ثم جعلنا الإنسان نطفة في مستقر متمكن وهي الرحم]
[٣]. وقوله تعالى «فَجَعَلْنَاهُ» تأكيد على الفعل الإلهي في الأمر إذ هو بعيد عن كل فاعل ومريد سواه سبحانه، وذلك ما يؤكده الإمام علي عليه السلام في واحدة من خطبه التي تطرَّق فيها إلى هذا الأمر، قال
أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ والْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ ومُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ. بُدِئْتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ووُضِعْتَ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وأَجَلٍ مَقْسُومٍ، تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لَا تُحِيرُ دُعَاءً ولَا تَسْمَعُ نِدَاءً، ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا ولَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا، فَمَنْ هَدَاكَ لِاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ وعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وإِرَادَتِكَ؟!]
[٤]. والملاحظ استخدام الإمام في الأفعال صيغة البناء للمجهول (بدئت، وضعت، أخرجت) وكذلك هداك وعرفك، والهدف هو التأكيد على الإرادة الإلهية في الخلق.
ثم إن خلقة الإنسان لا تتحرك في الفراغ ولا على أساس الصدفة، إنما هي قائمة على الحكمة الدقيقة، والتدبير الإلهي المتين، حيث القوانين التي تُجلي إرادة الله وحكمته للمتدبر، فالجنين لا ينمو ولا يمكث بلا قدر
ولا قانون في بطن أمه، بل كما وصف الله تعالى «إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ» وحيث يخرج يكون مُهَيَّأً لممارسة الحياة خارج الرحم، وتكون أمه مستعدة نفسيًّا وبدنيًّا لاستقباله وهكذا عائلته. قال الزمخشري
إلى مقدار معلوم، قد علمه الله وحكم به وهو تسعة
[١] التبيان: ج ١٠، ص ٢٢٨.
[٢] المنجد: مادة مكن.
[٣] تفسير الميزان: ج ١٥، ص ٢٠.
[٤] نهج البلاغة: خطبة: ١٦٣.